الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث... ندوة تعيد طرح سؤال الحماية والتضامن العابر للحدود
سلّطت ندوة دولية رقمية نظمتها منظمة "نساء فدرالية اليسار الديمقراطي ـ نفيد" الضوء على واقع الاعتقال السياسي للنساء في المنطقة، من خلال شهادات من المغرب، فلسطين، تونس، كشفت عن أبعاد سياسية ونفسية واجتماعية ممتدة تتجاوز حدود السجن.
حنان حارت
المغرب ـ أجمعت المشاركات في الندوة على أن الاعتقال السياسي للنساء قضية عابرة للحدود، تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والنفسية، وأن مواجهتها تتطلب تضامناً دولياً منظمناً وحماية قانونية أقوى للمدافعات عن حقوق الإنسان.
في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات وتراجع الحريات في عدد من المناطق، سلطت ندوة رقمية دولية نظمتها منظمة "نساء فدرالية اليسار الديمقراطي ـ نفيد" وهي منظمة نسائية مغربية أمس الخميس 16نيسان/أبريل، الضوء على واقع الاعتقال السياسي للنساء، بوصفه أحد أبرز تجليات تقييد الحقوق والحريات، وما يرافقه من آثار ممتدة تتجاوز أسوار السجن.
الندوة، التي انعقدت عن بعد تحت عنوان "الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث: نماذج من الوطن العربي"، قدمت قراءات وشهادات من المغرب وفلسطين وتونس، كشفت تداخل الأبعاد السياسية مع الأبعاد الاجتماعية والنفسية في تجربة الاعتقال، خاصة بالنسبة للنساء.
"قضايا النساء لا يمكن فصلها"
وأكدت الكاتبة العامة لمنظمة "نفيد" سناء فوزي، أن اختيار موضوع الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث يعكس وعياً براهنيته، وامتداداً لالتزام المنظمة بالدفاع عن حقوق النساء باعتبارها جزءاً من معركة أوسع من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فقضايا النساء لا يمكن فصلها عن السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، معتبرةً أن النضال من أجل المساواة يرتبط مباشرة بالنضال من أجل الكرامة والحرية.
وأشارت إلى أن الاعتقال السياسي يظل أحد أبرز مظاهر تقييد الحريات في المنطقة، في ظل تنامي أشكال مختلفة من المتابعات المرتبطة بالرأي أو الاحتجاج، مع استمرار تحديات ضمانات المحاكمة العادلة.
فلسطين اعتقال يتجاوز الجسد
من فلسطين، قدمت شهادات المشاركات صورة أكثر حدة لتجربة الاعتقال، حيث تحدثت الفاعلة السياسية والحقوقية وعضو الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ميسر عطياني عن ما وصفته بـ" العنف المضاعف" الذي تتعرض له النساء داخل السجون، بما في ذلك القاصرات والحوامل في ظل ظروف احتجاز صعبة ونقص في الرعاية الصحية.
وأشارت إلى "حالات ولادة داخل السجون في ظروف قاسية"، معتبرةً أن هذه الوقائع تعكس معاناة مركبة تطال النساء والأطفال على حد سواء "أن توثيق هذه التجارب يشكل في حد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة"، مشددةً على أن استهداف النساء والأطفال في سياقات النزاع يرتبط ببنية أوسع من السيطرة لأن حرية المرأة لا تنفصل عن حرية المجتمع.
"استهداف النساء أوسع من العنف"
بدورها، استحضرت القيادية في جبهة التحرير الفلسطينية مريم أبو دقة أثر تجربة الاعتقال الممتد قائلة "غادرنا السجون، لكن السجون لم تغادرنا"، في إشارة إلى استمرار الأثر النفسي بعد الإفراج "أن تجربة الاعتقال تظل حاضرة في الذاكرة والجسد، خاصة في ظل ما وصفته بتصاعد الانتهاكات في السياق الفلسطيني"، معتبرةً أن استهداف النساء يأتي ضمن منظومة أوسع من العنف المرتبط بالنزاع.
المغرب... الذاكرة والامتداد الاجتماعي للاعتقال
في السياق المغربي، أعادت الناشطة الحقوقية لطيفة الجبابدي، المعتقلة السابقة خلال ما يعرف بـ"سنوات الرصاص"، التذكير بمرحلة امتدت من ستينيات القرن الماضي إلى أواخر التسعينيات، شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، قبل أن يتم الاعتراف بها في إطار مسار العدالة الانتقالية خاصة عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، مشيرةً إلى أن أوضاع النساء داخل مراكز الاعتقال آنذاك لم تكن تراعي الشروط الإنسانية، بما في ذلك الحوامل والمرضعات.
كما لفتت إلى أن آثار الاعتقال لا تنتهي بالإفراج، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية، حيث تواجه بعض النساء أشكالاً من الوصم الاجتماعي قد تصل إلى التفكك الأسري، مضيفةً أن بعض حالات الاعتقال في تلك الفترة كانت تتم على خلفية علاقات قرابة، دون انخراط سياسي مباشر.
"لا تقتصر على سياق وطني واحد"
من جهتها، اعتبرت المحامية سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن أنماط الاعتقال عرفت تحولات خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد مرتبطة فقط بالمواقف السياسية التقليدية، بل أصبحت تشمل التعبير عن الرأي والمشاركة في الاحتجاجات الاجتماعية، مؤكدةً أن هذه الظاهرة لا تقتصر على سياق وطني واحد، بل تعكس تحولات أوسع مرتبطة ببنى سياسية واجتماعية في المنطقة، داعيةً إلى تعزيز الحماية القانونية للمدافعات عن حقوق الإنسان وتوسيع آليات التضامن العابر للحدود.
تونس... الجسد كفضاء للسيطرة
ومن تونس، سلطت الناشطة الحقوقية فداء العتمني، عضو الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، الضوء على واقع الاعتقال في صفوف النساء الناشطات، معتبرةً أن الاعتقال السياسي لا يستهدف الفرد فقط، بل يمتد إلى ذاكرته وتجربته النضالية "أن الجسد النسائي داخل السجن يتحول إلى مجال لممارسة أشكال متعددة من السيطرة والانتهاك، بما يجعل تجربة الاعتقال ذات أبعاد نفسية وجسدية مركبة".
وقالت إنها تتحدث من موقع "الشاهدة" التي عايشت تجربة الاعتقال بشكل مباشر، مشيرة إلى أن آثار تلك التجربة ما تزال ممتدة منذ فترة حكم زين العابدين بن علي، على المستويين النفسي والجسدي "كنت جزءاً من مسار نضالي جماعي، واعتقلت بسبب هذا الانخراط، وهو ما يجعل شهادتي جزءاً من ذاكرة مقاومة مستمرة".
وشددت على أن التضامن مع المعتقلات يجب ألا يظل ظرفياً أو عاطفياً، بل ينبغي أن يقوم على وعي جماعي وفعل منظم عابر للحدود، قائم على رفض كل أشكال الانتهاكات، موجهةً تحية إلى عدد من النساء التونسيات القابعات حالياً في السجون، معتبرةً أن اعتقالهن يعكس رسالة ترهيب تتجاوز الحالات الفردية وتمتد إلى النساء عموما في تونس وخارجها.
نحو تضامن عابر للحدود
في ختام الندوة، دعت المشاركات إلى بناء جبهة دولية لمناهضة الاعتقال السياسي للنساء، وتعزيز الأطر القانونية الكفيلة بحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، إضافة إلى توسيع التمثيلية السياسية للنساء باعتبارها مدخلا أساسياً لتحقيق العدالة والمساواة.
وأكدت المتدخلات أن الاعتقال السياسي رغم اختلاف السياقات، يحمل أوجه تشابه في تجلياته وآثاره، وأن مواجهته تتطلب تضامنا عابرا للحدود يتجاوز الإدانة إلى الفعل والتنظيم.