'الإسلام السياسي يعرّض النساء والأطفال للعنف والقتل'
يُعد تأثير الإسلام السياسي على أوضاع النساء والأطفال من أكثر القضايا إثارةً للنقاش في إقليم كردستان، في ظل تباين الآراء حول دوره في تشكيل القيم الاجتماعية وأنماط الحياة.
هيلين أحمد
السليمانية ـ في كل مجتمع، تشكل الأسرة الركيزة الأساسية لبناء الحياة الاجتماعية وتنشئة الأجيال المقبلة، ولذلك فإن أي تغير سياسي أو اجتماعي ينعكس، قبل كل شيء، على الأسرة وأفرادها، وخلال العقود الماضية، أثار صعود الإسلام السياسي ووصول بعض حركاته إلى السلطة تساؤلات واسعة حول تأثير هذا النمط من الحكم على حياة النساء والأطفال والعلاقات داخل الأسرة.
تشير تجارب مختلفة إلى أن هذه التحولات لم تقتصر على المجال السياسي، بل امتدت إلى داخل البيوت وأثرت في تفاصيل الحياة اليومية، وترى الصحفية ديدار شهلا أن الإسلام السياسي سعى، وفق رؤية ممنهجة إلى التغلغل في المجتمع عبر رجال الدين، وتنظيم الدورات الدينية الصيفية للأطفال، وتوجيههم نحو أفكار الإسلام السياسي، مستفيداً من ضعف وعي بعض الأسر بمضامين هذه الدورات، الأمر الذي يجعل الأطفال، بحسب رأيها، أكثر عرضة لتبني أفكار دينية ذات أبعاد سياسية.
"الإسلام السياسي يستهدف الجيل الجديد"
تقول ديدار شهلا إن قضية الإسلام السياسي وتأثيره في المجتمع كانت محل نقاش منذ سنوات طويلة، وإن آثارها تبدو واضحة في عدد من البلدان، حيث تتغلغل هذه التأثيرات في وعي الأفراد بصورة معقدة، وتؤثر في قدرتهم على مواجهة التحديات والحفاظ على قيمهم الاجتماعية.
وأضافت أنه بعد عام 2008، ساهم وجود وسائل إعلام تابعة لتيارات الإسلام السياسي في إقليم كردستان في انتشار هذا الفكر بصورة أوسع، وكان هدفها، بحسب قولها، إدخال أيديولوجية الإسلام السياسي إلى صميم المجتمع، مشيرةً إلى أن ظهور القنوات الإعلامية التابعة لهذه التيارات، إلى جانب انتشار الدراما التركية وتسويق أنماط معينة من اللباس التي ترى أنها تختلف عن التقاليد الدينية الكردية، ترك آثاراً اجتماعية ملموسة.
وترى أيضاً أن نتائج الانتخابات البرلمانية تُظهر أن شريحة واسعة من المواطنين لا تؤيد الأحزاب الإسلامية السياسية، إلا أن هذه التيارات، بحسب رأيها، استطاعت على مر السنوات ترسيخ أفكارها من خلال فرض القيود الاجتماعية على النساء.
وأضافت أن غالبية المواطنين حافظوا على تدينهم وعاداتهم الدينية في إطار التقاليد الكردية، لكن تأثير الإسلام السياسي لا يزال حاضراً، خاصة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي التي ساهمت وفق رأيها، في زيادة خطاب الكراهية والانقسام داخل المجتمع، وكان النساء والأطفال من أكثر الفئات استهدافاً.
"الإسلام السياسي يفرض السيطرة على الأطفال"
وتشير ديدار شهلا إلى أن الإسلام السياسي يسعى، من خلال قوانين وإجراءات متشددة، إلى التأثير في الأطفال منذ سن مبكرة، وإن هذه التيارات تستهدف الأطفال عبر أنشطة متعددة، من بينها تشجيع ارتداء النقاب للفتيات دون سن الثامنة، ونشر أفكار تعتبر الفتاة بعد هذا العمر مصدراً للفتنة للرجل.
وترى أن هذا الفكر يسلب المرأة استقلاليتها ويختزلها في كونها تابعة للرجل، معتبرةً أن انتشار هذه الأفكار أسهم في زيادة أعمال العنف ضد النساء، وأن أخبار القتل والسجن والعنف ضد النساء أصبحت تتكرر باستمرار، وأن مؤسسات ومراكز مرتبطة بهذا التوجه تعمل، بحسب رأيها، على ترسيخ أنماط للسيطرة على النساء ضمن إطار الإسلام السياسي.
كما أشارت إلى أن بعض القوانين في العراق، تؤدي إلى تكريس أشكال من العنف الجسدي والنفسي ضد النساء والأطفال، ولذلك فإن الإسلام السياسي يركز بصورة كبيرة على استهداف الأطفال، باعتبار أن مستقبل المجتمع يبدأ من الأجيال الجديدة.
وأكدت أن توعية الأطفال ليست سهلة، لكن من الضروري توعية الآباء والأمهات بالتمييز بين الإسلام بوصفه ديناً، والإسلام السياسي بوصفه مشروعاً سياسياً، معتبرة أن الاثنين ليسا شيئاً واحداً.
"كلما لم يُرفض المجتمع الإسلام السياسي ازداد تغلغله"
وقالت ديدار شهلا إن الإسلام السياسي يسعى إلى بناء قاعدة اجتماعية تمكنه من التأثير في المجتمع والأفراد، مضيفةً أنه يعتمد على خلق شعور بالعار الاجتماعي للضغط على الناس، وأنه ما لم يرفض المجتمع هذه الممارسات، فإنها ستزداد تغلغلاً، ولن يكون من السهل إيجاد آليات فعالة لمواجهتها.
وأضافت أن المجتمع يتحمل مسؤولية كبيرة في توجيه أفراده، وأن القوى السياسية وحدها لا تستطيع فرض هذا التغيير إذا لم يكن المجتمع راغباً فيه، كما اعتبرت أن المدارس الدينية تمثل، بحسب رأيها، أحد التحديات، لأنها توجه الأطفال نحو فكر الإسلام السياسي من خلال الصلاة الجماعية وحفظ القرآن بصورة جماعية، الأمر الذي قد يضع الطفل الذي لا يرغب في المشاركة تحت ضغط اجتماعي داخل المجموعة.
وترى أن إرادة الأطفال كثيراً ما تُهمَّش، وأن عدداً كبيراً منهم لا يختارون هذه البيئة بإرادتهم، وإنما يُرسلون إليها استجابة لرغبة أسرهم.
ولفتت الصحفية ديدار شهلا إن كثيراً من الأسر توجه أبناءها اليوم إلى الدورات التعليمية التي ترغب هي بها، وليس تلك التي يختارها الأطفال أنفسهم، وساقت مثالاً من محيطها الأسري، حيث قال أحد الأطفال "بفضل التطور التكنولوجي أستطيع الآن الاستماع إلى القرآن، ولا حاجة لأن أقضي وقتاً طويلاً في حفظه، بل أفضل أن أتعلم أكثر عن الدين الإسلامي"، لكنها أوضحت أن الطفل واجه انتقادات من والديه بسبب هذا الرأي.
وهذا المثال يدل على قدرة الأطفال على التفكير وإحداث التغيير، إلا أن انتشار أفكار الإسلام السياسي داخل بعض الأسر، بحسب رأيها، يحد من حرية الجيل الجديد، بل يمتد كما تقول إلى التدخل في طريقة ارتداء الفتيات للحجاب.
واختتمت الصحفية ديدار شهلا بالقول إن الإسلام السياسي يعمل بأسلوب يقوم على إحكام السيطرة بحيث يصعب على الأفراد التحرر من نفوذه، داعيةً إلى توعية الأسر وتعزيز الوعي المجتمعي من أجل بناء أسر أكثر قدرة على حماية أبنائها واتخاذ قراراتها بحرية.