الإعلام التركي... بين إنكار الحل وتجاهل نضال النساء الكرديات

كشفت الهجمات على أحياء كردية في حلب وشمال شرق سوريا عن عمق الانقسام الإعلامي والسياسي في تركيا، حيث تلاشت الفوارق بين المعارضة والسلطة، وتجلّى التعتيم على نضال النساء الكرديات ومكتسبات روج آفا.

إليف أكجول 
إسطنبول ـ أظهرت الهجمات التي بدأت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وامتدت إلى شمال وشرق سوريا، ليس فقط طبيعة الصراع العسكري، بل أيضاً موازين القوى الإقليمية والمشهد السياسي داخل تركيا، إلى جانب انعكاسات الإعلام المحلي. فكما كانت التطورات الميدانية بارزة، فإن الخطاب المستخدم، والتحالفات التي تشكلت، والصمت الذي خيم، كشف بوضوح مواقع الأطراف المختلفة في قضايا السلام والديمقراطية وحقوق النساء والحقوق الجماعية للكرد. أما الموقف من الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت بحق النساء الكرديات، فقد أعاد فتح النقاش حول الحدود الأخلاقية والسياسية والأيديولوجية للإعلام في تركيا.
في المشهد الإعلامي التركي، يتضح أن قضية الكرد وحقوقهم تجعل الصورة أكثر التباساً. فالفوارق بين الإعلام المعارض والإعلام الموالي للسلطة سرعان ما تتلاشى عندما يكون الحديث عن الكرد، ولا سيما النساء الكرديات. هذا التلاقي في الخطاب يكشف أن اللغة الإعلامية وردود الفعل تشكّل واحدة من أبرز العقبات أمام تحويل السلام إلى قضية مجتمعية. أما التغاضي المشترك عن النموذج المجتمعي القائم في روج آفا، الذي أُسس بقيادة النساء على مبادئ المساواة والتعددية، فلا يعكس فقط الموقف تجاه سوريا، بل يقدم أيضاً إشارات جوهرية حول حدود السلام الذي يراد أو لا يُراد ترسيخه داخل تركيا.

"في الإعلام التركي هناك من لا يريد عملية الحل"  
وتشدد المديرة العامة لقناة " İlke TV" سيفدا جتين كايا على أن موقف الإعلام التركي في هذه المرحلة ليس صدفة، واصفة الانقسام الأساسي داخل الإعلام على النحو التالي "منذ البداية، هناك بالفعل في الإعلام التركي من لا يريد عملية الحل. وهناك أيضاً ما نسميه إعلام السلطة، الذي يدعم "تركيا بلا إرهاب" ضمن الإطار الذي رسمه تحالف الشعب، لكنه عندما يتعلق الأمر بالسلام والديمقراطية وحرية المرأة والمساواة والحقوق الدستورية والجماعية للكرد، يقول "حذار". هذه الصورة كانت هكذا منذ البداية". 
وبحسب سيفدا جتين كايا، فإن الهجمات في حلب جعلت هذه المواقف الإعلامية أكثر وضوحاً، حيث تلاقت الخطوط التي كانت تبدو مختلفة في نقطة واحدة "في شمال وشرق سوريا، ومع الهجمات على الحيين الكرديين في حلب، كشفوا كل ما كانوا يخفونه. وهذه المرة اتحد الإعلام الذي يعرّف نفسه بالمعارض مع إعلام السلطة. فعندما تكون القضية هي حقوق الكرد، وعندما يكون الكرد هم من يدافعون عن نموذج سوري ديمقراطي، حر للنساء وتعددي، يصبح الكرد الذين حاربوا داعش وأنقذوا العالم من هذه الوحشية، هم أنفسهم المعلنين كإرهابيين، بعد أن كانوا بالأمس يسمون داعش إرهابيين".

"أبشع أشكاله كان موجهاً ضد النساء"
تشير سيفدا جتين كايا إلى أن الخطاب المستخدم كان موجهاً ضد النساء بأشد أشكاله، موضحةً أن النساء اللواتي دافعن عن أراضيهن وعن الحقوق التي انتزعها مجتمعهن حتى اليوم، تعرضن لحرب قاسية وجرائم. هذه الانتهاكات جرى تبريرها أو منحها شرعية، وفي أفضل الأحوال تم التغاضي عنها. أما الأصوات التي حاولت كشف هذه الحقائق، فقد وُوجهت بخطاب يصنفها من جديد كأعداء أو إرهابيين.
وتوضح أن جوهر هذا الموقف يرتبط بنضال النساء في روج آفا، حيث أثار قلقاً واسعاً كون النساء تحوّلن إلى فاعل مؤسسي في المجتمع. ففي شمال شرق سوريا، كانت النساء على الدوام في موقع القيادة، وبينما اعتاد الشرق الأوسط مشاهد الدمار والحروب، قدّمت روج آفا نموذجاً مجتمعياً مختلفاً تماماً؛ نموذجاً تقوده النساء، يقوم على المساواة ويكفل الحرية، وقد أعلنت النساء الكرديات بوضوح أنهن لا يناضلن فقط من أجل حقوقهن الفردية، بل يسعين لأن يكن شريكات أساسيات في بناء سوريا الجديدة. هذا التحول، سواء بالنسبة للسلطة أو للمعارضة، شكّل تحدياً خطيراً للعقلية الذكورية وللتحالفات القائمة على الهيمنة الذكورية.
وتشير سيفدا جتين كايا إلى أن تغير موقف الإعلام المعارض، الذي كان قد وجه انتقادات قوية للإدارة السورية المؤقتة عقب زيارة الولايات المتحدة، يعود إلى انعكاسات تاريخية متجذرة، موضحة أن القضية حين تتعلق بالكرد وحقوقهم، تظهر بوضوح ردود الفعل القومية الأحادية الممتدة منذ أكثر من قرن. 
وتضيف أنه قد لا يكون مفاجئاً أن يتبنى إعلام السلطة هذا الخطاب، لكن اللافت أن بعض الأصوات التي لطالما تحدثت عن العلمانية وحقوق المرأة، ووصفت تنظيمات مثل "هيئة تحرير الشام وداعش" بأنها تهديد خطير للنساء، التزمت الصمت عندما كان الحديث عن النساء الكرديات. هذا الصمت، بحسب جتين كايا، يعكس عمىً خطيراً تجاه نضال نسائي قائم بالفعل.

"يجب أن تكون مناهضاً للعنصرية"
ولفتت سيفدا جتين كايا إلى أن جذور هذا التعتيم تعود إلى النزعة القومية والعنصرية، مستحضرةً كلمات أنجيلا ديفيس التي قالت إن "عدم العنصرية لا يكفي، بل يجب أن تكون مناهضاً للعنصرية"، مضيفةً "لا يمكن الاكتفاء بالقول "أنا لست عنصرياً" والانسحاب إلى زاوية، بل ينبغي اتخاذ موقف واضح والانحياز عندما تقع مثل هذه الأحداث. وأكدت أن نضال النساء الكرديات هو نضال يجب أن تتبناه جميع النساء، لكن بفعل ردود الفعل العنصرية تجاه الكرد لم يُبنَ أي تضامن حقيقي".
كما تناولت أثر الاتفاق الذي أعقب الاشتباكات، مشيرةً إلى أن التضامن النسائي اكتسب قوة أكبر رغم محدودية الاستجابة الاجتماعية. وقالت إن رد الفعل الذي تجسد في جديلة الشعر كان رمزياً لكنه ذو مغزى، حتى وإن لم يشمل المجتمع بأكمله. وأوضحت أن اعتقال فتاة في السادسة عشرة من عمرها بسبب هذا الفيديو يعكس حجم القمع، مؤكدة أن إظهار التضامن في مثل هذه الظروف يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتطرقت سيفدا جتين كايا أيضاً إلى النقاشات حول الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 30 كانون الثاني/يناير الماضي "اتفاق 30 كانون الثاني أوقف مجزرة وحرباً كبيرة. الكرد لم يسقطوا من الطاولة. لقد أعلنوا أنهم سيواصلون النضال من أجل الحفاظ على الحقوق والمكانة التي حصلوا عليها حتى اليوم". 

"نصف الإدارة والتمثيل من النساء"  
وتشدد سيفدا جتين كايا بشكل خاص على مكاسب النساء، مشيرةً إلى أن النموذج الإداري الذي أُقيم في روج آفا لا يحمل فقط دلالة رمزية، بل له أيضاً قيمة ملموسة ومؤسساتية من حيث نضال النساء، مؤكدة أن النساء يشاركن بتمثيل متساوٍ في كل المجالات، من السياسة إلى الحياة الاجتماعية، وأن هذا الوضع يشكل عتبة حاسمة في النقاشات حول سوريا الجديدة. 
وتؤكد أن المكاسب التي حققتها النساء في روج آفا ما زالت قائمة ولم يتم التراجع عنها، مشيرةً إلى أنهن حافظن على مستوى المشاركة الذي وصلن إليه. وتوضح صورة المفاوضات بالقول "اليوم تشكل النساء نصف الإدارة في روج آفا فعلياً، ونصف التمثيل السياسي والاجتماعي أيضاً من نصيبهن. وإذا نظرنا إلى صور الوفد الذي شارك في مفاوضات الاندماج مع دمشق، نرى أنه أمام ثلاثة رجال من الطرف الآخر، كان وفد روج آفا يضم رجلاً واحداً وامرأتين. هذا إنجاز كبير، والنساء لم يتنازلن عن هذا". 
وفي ختام حديثها، عادت سيفدا جتين كايا إلى السياق التركي، مؤكدةً أن ما يحدث في سوريا سيكون حاسماً أيضاً بالنسبة لتركيا "الكرد في سوريا سيواصلون نضالهم الخاص. والآن سنرى ما الذي سيُفعل في تركيا بشأن الحقوق الجماعية للكرد ومكانتهم. سنراقب كيف سيبني أولئك الذين يماطلون بالقول "لننظر إلى سوريا" سلاماً وحلاً هنا".