الأخوّة النسائية نافذة لإعادة بناء السياسة في إيران وكردستان

مقال بقلم برشنك دولتياري 

في 20 شباط/فبراير الجاري، تحولت لحظة الإفراج عن الناشطة أنيشا أسد إلهي أمام سجن إيفين إلى ما هو أبعد من مجرد خروج سجينة سياسية، إذ بدت كإشارة لعودة أفق سياسي يتشكل من جديد، فقد خرجت أنيشا أسد إلهي وهي تحمل قطعة قماش كُتب عليها اسما بخشان عزيزي ووريشه مرادي، في خطوة لم تُقرأ فقط كفعل تضامني، بل كترجمة ملموسة لما بات يعرف بسياسة الأخوة، ورغم أن هذا الأفق لم يترسخ بعد خارج أسوار السجن، إلا أنه داخل سجن إيفين وفي ظل حضور السلطة العارية يتجلى كخيار أخلاقي واستراتيجية مقاومة لا غنى عنها.

تسلّط الصورة التي تحمل فيها أنيشا أسد إلهي اسمي بخشان عزيزي ووريشه مرادي الضوء على سؤال أعمق يتجاوز رمزيتها المباشرة، لماذا لم تتحول الأخوة النسائية بوصفها رابطة تحررية تنشأ عند تقاطع النوع الاجتماعي، والطبقة والقمع القومي، إلى قوى فاعلة ومهيمنة في المجال العام الإيراني، كما يبرز سؤال آخر، لا يقل أهمية حول أسباب تراجع قيم Jin Jiyan Azadî التي اجتاحت الشوارع عام 2022، أمام صعود الخطاب السلطوي اليميني الذي أعاد خنق المجال السياسي والاجتماعي.

يستمد شعار "المرأة، الحياة، الحرية" جذوره من فكر ونشاط الحركة النسائية الكردية، وقد صيغ ضمن إطار نظريات مرتبطة بالقائد عبد الله أوجلان وحركات قريبة من حركة التحرر الكردستانية، في هذا النظام الفكري لا تُعتبر المرأة مجرد كائن مضطهد، بل هي نقطة انطلاق لإعادة بناء المجتمع، يسعى "علم الجنولوجيا" بوصفه علماً يتمحور حول المرأة، إلى تحرير المعرفة من احتكار العقلانية الأبوية التي تتمحور حول الدولة، وإعادة كتابة التاريخ من منظور الأجساد والحياة المضطهدة.

قبل أن يُسمع هذا الشعار في طهران وأصفهان وشيراز، تردد صداه في جبال ومدن كردستان، وفي تجارب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وفي شوارع شمال كردستان وفي أوروبا، لكن أهميته بالنسبة لإيران تجلّت بوضوح في لحظة تاريخية حين جعلها رحيل جينا أميني رمزاً محورياً لانتفاضة شعبية عارمة، إلا أن جذوره امتدت إلى السجون أيضاً فقبل سنوات، كتبت شيرين علم هولي رمزاً بارزاً آخر لحركة "الحياة والحرية" في كردستان، هذا الشعار على سرير السجن كان فعلاً بسيطاً، لكنه حمل في طياته بشائر مستقبل لم يأتِ بعد. هنا، يصبح السجن أرشيفاً حياً لذاكرة التحرير، ما لم يكن بالإمكان قوله في الخارج كُتب في الداخل بجرأة.

يرى الفكر النسوي الماركسي أن اضطهاد المرأة لا يمكن فهمه دون تحليل علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج الرأسمالية، فالعمل المنزلي وإعادة إنتاج قوة العمل والتراكم البدائي لجسد المرأة، كلها أسس خفية للنظام الرأسمالي، كما يُبين الفكر النسوي التقاطعي أن أشكال الاضطهاد تراكمية، فالمرأة الكردية العاملة تتعرض في آنٍ واحد للاضطهاد على مستوى الجنس والطبقة والعرق.

ويأخذ علم الجنولوجيا هذا التحليل إلى مستوى آخر، فهو ينتقد الدولة القومية بوصفها بنيةً سردت التاريخ بأسلوب ذكوري استبدادي، في هذا النظام لا يُعد تحرير المرأة إصلاحاً هامشياً، بل تحولاً معرفياً ومؤسسياً، فإذا كانت النسوية الماركسية تُركز على الاقتصاد السياسي للجسد فإن الجنولوجيا يُصر على إعادة بناء معارف المرأة وأخلاقياتها السياسية، ويمكن أن يُفضي الجمع بين هذين المنظورين إلى أفقٍ لا يكون فيه التحرر مجرد مساواة قانونية، بل إعادة بناء للعلاقات الاجتماعية.

لا تقتصر الأخوة في هذا السياق على مجرد التعاطف، بل هي استراتيجية سياسية، إنها تعني الاعتراف بالاختلافات دون إنكارها وبناء تحالف قائم على تجارب حقيقية مع القمع، في المجتمع الإيراني، أدت الانقسامات القومية والطبقية والأيديولوجية مراراً وتكراراً إلى إضعاف الحركات، في انتفاضة 2022، ولبرهة وجيزة، توقفت هذه الانقسامات وأصبحت المرأة الكردية رمزاً للتحرر الوطني، لكن مع مرور الوقت سعت القوى الاستبدادية اليمينية إلى تجريد هذا الرمز من دلالاته الراديكالية والمساواتية.

وفي غضون ذلك، يمكن أن تشكل الأخوة النسائية درعاً واقياً ضد المصادرة، لأنها تؤكد على الرابط العضوي بين تحرير المرأة والديمقراطية الجذرية، فعندما تُصرّ زينب جلاليان، وبخشان عزيزي، ووريشه مرادي على قيم Jin Jiyan Azadî في السجن، فإنهن في الواقع يدافعن عن رابط لا يزال يتطور خارج أسوار السجن.

مأساتنا تكمن في أن أعمق أشكال التضامن قد تتشكل أحياناً في خضم القمع، فالسجن رغم وظيفته القاسية قد يصبح فضاءً لإعادة تعريف الروابط، وقد نقلت أنيشا أسد إلهي، من خلال تبنيها اسمي امرأتين كرديتين، هذه الرابطة من داخل السجن إلى خارجه، هذا الفعل تذكير بأن سياسة التحرر لا يمكن تحقيقها دون تجاوز حدود الهويات المنغلقة.

لماذا يصعب تحقيق هذا التفاهم المتبادل في الخارج؟ لأن الخارج ساحةٌ لخطابات متنافسة، فالإعلام ورأس المال والحنين إلى السلطة قد يُهمّشون القيم التحررية، أما في السجن فإنّ سطوة السلطة تُتيح نوعاً من الصراحة السياسية، إما أن نكون معاً أو أن نُنهك فرادى.

تقف إيران وكردستان عند مفترق طرق حرج، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية والبيئية والسياسية، في مثل هذه الظروف لا يُعدّ العودة إلى قيم Jin Jiyan Azadî مجرد تذكير بشعار، بل هو استحضار لنموذج فكري يقول إن الديمقراطية بدون تحرير المرأة جوفاء، والاشتراكية بدون نقد النظام الأبوي ناقصة.

لا تُعدّ الأخوة النسائية بهذا المعنى نفياً للرجال، بل نفياً للهياكل التي تُعيد إنتاج الهيمنة، ويمكن لهذه السياسة أن تكون جسراً يربط بين اليسار العمالي والحركات العرقية والحركات الطلابية، جسراً مبنياً على التجربة المشتركة للقمع والأمل.     

إن ذكر اسم شيرين علم هولي، واستعادة ذكريات السجن، وحمل قطعة قماش تحمل أسماء سجينات أخريات، كلها أفعالٌ تُجسّد الذاكرة، الذاكرة هنا ليست مجرد حنين إلى الماضي بل هي سلاح ضد النسيان، ضد اختزال الانتفاضات إلى مجرد مشاعر عابرة، عندما نقول  Jin Jiyan Azadîفإننا في الواقع نستحضر تاريخ النساء اللواتي منحن هذه الكلمات معناها بأجسادهن وأرواحهن.

إذا لم تُصبح التضامن النسائي سياسة عامة، فهناك خطر من تبديد طاقة التحرر في الحركات في صراعات أيديولوجية، لكن إذا استطاعت هذه السياسة أن تترسخ في الشبكات المدنية والنقابات والمساحات الثقافية، فإنها ستُصبح أساساً لديمقراطية جذرية لا تُفرض من أعلى ولا تُعاد إنتاجها ضمن أطر استبدادية.

اليوم، تُعد صورة أنيشا أسد إلهي وهي تحمل اسمي بخشان عزيزي ووريشه مرادي بمثابة تذكير بهذه الإمكانية، أن الأخوة يمكن أن تنبثق من أحلك الأماكن وتعد بأفق جديد، أفق لا يكون فيه تحرير المرأة على هامش السياسة، بل في مركزها، ولعل هذا هو سر ديمومة شعار Jin Jiyan Azadî، ثلاث كلمات ليست مجرد شعار، بل برنامج لإعادة بناء الحياة، وإعادة تعريف السياسة، وخلق عالم لا تكون فيه الأخوة استثناءً، بل هي القاعدة.

إن غياب سياسات التضامن النسائي في إيران ليس مجرد نقص في التضامن العاطفي، بل هو دليل على استمرار منطق ذكوري تنافسي في الساحة السياسية برمتها، ساحة تُعيد إنتاج الرغبة في الهيمنة والمركزية والإقصاء حتى في لحظات الثورة، إذا لم يُرتقَ التضامن النسائي من مستوى الرمز والأخلاق إلى مستوى التنظيم، وتقسيم العمل السياسي وإعادة تشكيل مؤسسات بديلة، فسيُختزل في أحسن الأحوال إلى مجرد ذكرى نبيلة، يكمن سبيل الخلاص تحديداً في تحويل هذه الرابطة إلى منطق مؤسسي، شبكات مستدامة بين العاملات والكرد، والطالبات، والمعلمات، آليات صنع قرار أفقية تُقرّ بالتجربة المعيشية كمصدر للشرعية، وتحالفات لا تبتلع الاختلافات بل تحوّلها إلى مصدر قوة جماعية، في مثل هذا الأفق لن يكون التضامن النسائي مجرد ملحق للسياسة، بل سيكون سبيلاً لصنع السياسة بديلاً للسياسة الفاشلة القائمة على الكاريزما والتركيز والتنافس وحينها فقط سيتحول شعار Jin Jiyan Azadî من مجرد شعار إلى بنية أساسية لإعادة البناء السياسي في إيران وكردستان.