الاحتجاجات في إيران مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الجندرية
الاحتجاجات في إيران مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الجندرية، فالأزمة الاقتصادية تطال النساء كما الرجال، والحرية الاقتصادية شرط أساسي لحرية المرأة، فالعدالة الاقتصادية والعدالة الجندرية وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن تحقيق إحداهما دون الأخرى.
شيلا قاسمخاني
مركز الأخبار ـ خلال الأيام الماضية، انطلقت شرارة الاحتجاجات من سوق طهران وبين صفوف التجار، وسرعان ما امتدت إلى شوارع مدن أخرى، حيث خرج المدنيون رفضاً لغلاء الأسعار، التضخم، انهيار قيمة الريال، وضغوط المعيشة المتزايدة، وفي الوقت نفسه، حاولت بعض الأصوات فصلها عن انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" ، بزعم أن مطالب المحتجين اقتصادية بحتة، ترتبط بالرجل المعيل، وبالتالي تحمل طابعاً ذكورياً ولا صلة لها بقضايا العدالة الجندرية.
هذا الموقف أدى عملياً إلى تهميش الاحتجاجات ذات الطابع المعيشي والامتناع عن دعمها، غير أن قراءة أعمق تكشف أن هذا الفصل ليس فقط غير صحيح، بل أيضاً تبسيطي، فالعدالة الجندرية لا تنفصل عن العدالة الاقتصادية، بل هما وجهان لقضية واحدة، البيان الذي أصدرته ستة تنظيمات نسائية في شرق كردستان قبل أيام شدّد على أن هذه الاحتجاجات امتداد طبيعي لانتفاضة "Jin Jiyan Azadî" المدافعة عن الحق في العيش الكريم، والحياة الاجتماعية، هذا الموقف أتاح إعادة صياغة الاحتجاجات المعيشية بلغة الحرية، وأثبت مجدداً أن شعارها قادر على أن يتجذر في هذه التحركات ويمنحها أفقاً أوسع.
ورغم أن بعض الآراء المعارضة قد تبدو مفهومة في ظاهرها، إلا أنها تتجاهل حقيقة أساسية وهي العدالة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من العدالة الجندرية، فالأزمة الاقتصادية والضغوط المعيشية تطال النساء كما تطال الرجال، بل أحياناً بشكل أكثر قسوة وخفاء، بما يجعل آثارها أصعب رصداً وأشد خطورة.
انطلقت شرارة الاحتجاجات الأخيرة من سوق طهران الكبير، حيث يرزح التجار وأصحاب المحال تحت وطأة تضخم غير مسبوق وارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، غلاء الخبز والمواد الغذائية والطاقة جعل حياة الأسر في ضيق خانق، فيما أدى الانهيار الحاد لقيمة العملة الوطنية إلى تآكل القدرة الشرائية وفقدان شريحة واسعة من المجتمع لأمنها الاقتصادي والمعيشي.
في هذا المشهد، لعبت وسائل التواصل الافتراضي والإعلام دوراً محورياً في تسريع انتشار الاحتجاجات وربط مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية ببعضها البعض، وهكذا، ورغم أن منطلق الغضب كان أساساً معيشياً، فإن تراكم الأزمات المكبوتة سرعان ما خرج إلى السطح، ليمنح الحركة أبعاداً اجتماعية وسياسية أوسع، تشمل المطالبة بإصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد ونظام الحكم.
وتؤكد تجارب الحركات الشبكية المعاصرة أن التنظيمات الأفقية قادرة على الجمع بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية والجندرية في إطار حركة واحدة، ما يمنحها زخماً مضاعفاً ويجعلها أكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث.
ارتفع شعار "Jin Jiyan Azadî" عقب وفاة جينا أميني في أيلول/سبتمبر 2022، لينتشره صداه في شرق كردستان قبل أن يعمّ مختلف أنحاء إيران، متحوّلاً إلى رمز لانتفاضة واسعة، غير أن المطالبة بحقوق النساء في إيران ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى أكثر من قرن من النضال المستمر.
الاعتراف بالقيمة الاقتصادية لحياة النساء ضرورة جوهرية
منذ الثورة الدستورية، خاضت النساء معاركهن عبر إنشاء الصحف والجمعيات للمطالبة بحقوقهن المدنية والاجتماعية، وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حصلن على حق التصويت والمشاركة في المناصب العامة، لكن الثورة عام 1979 أعادت القوانين التمييزية ضد المرأة، لتغلق مجدداً الطريق أمام هذه المكاسب، غير أن الحركة النسوية لم تتوقف يوماً وظلت حاضرة بأشكال متعددة في المجتمع.
هذا التاريخ الطويل يبرهن أن مطلب العدالة الجندرية ليس عابراً ولا منفصلاً عن القضايا الاقتصادية اليومية، إذ إن الاقتصاد والجندر متشابكان في بنيتهما، الادعاء بأن "الرجل هو المعيل، وبالتالي لا شأن للمرأة بالأزمات الاقتصادي" يفتقر إلى المنطق، فحتى في الأسر التي يُعتبر فيها الرجل مسؤولاً عن الإنفاق، ينعكس الغلاء والتضخم مباشرة على حياة النساء والأطفال.
وفوق ذلك، يزداد عدد النساء المعيلات للأسر عاماً بعد عام. فبين عامي 2024 و2025، بلغ عددهن نحو خمسة ملايين امرأة تحت رعاية مؤسسات الدعم الاجتماعي، كثير منهن يعملن في وظائف غير رسمية وهشة، من بيع البضائع إلى حمل الأثقال، بلا تأمين ولا استقرار وظيفي، ويدرن حياة أسرهن وسط ضغوط اقتصادية قاسية وظالمة.
اليوم، قلّما يستطيع رجل الادعاء بأنه قادر وحده على تأمين معيشة أسرته بجودة مناسبة، فالنساء، كعاملات ومعلمات وممرضات وبائعات وناشطات في قطاعات الزراعة والخدمات، يشكّلن ركناً أساسياً في الاقتصاد الوطني.
إن العدالة الاقتصادية والعدالة الجندرية تنبعان من بنية واحدة، وكل ظلم في أحدهما يعمّق الآخر، فالقهر الجندري والقهر الطبقي متداخلان، وتقسيم العمل القائم على النوع والأدوار التقليدية يعيد إنتاج أشكال متعددة من اللامساواة.
وأثبتت الحركات النسوية في سبعينيات القرن العشرين أن عمل النساء داخل المنازل، رغم تجاهله واعتباره "غير عمل"، يشكّل ركناً أساسياً في الاقتصاد وفي إعادة إنتاج قوة العمل، ومن هذا المنطلق، فإن قضية الخبز والمعيشة ليست حكراً على الرجال، بل إن الاعتراف بالقيمة الاقتصادية لحياة النساء ضرورة جوهرية.
وجهان لعملة واحدة
ويبرز المثال التاريخي لإضراب نساء آيسلندا عام 1975، حين توقفت 90% من النساء عن العمل الرسمي والمنزلي ليوم واحد، كدليل قاطع على أن المجتمع والاقتصاد لا يمكنهما الاستمرار من دون مساهمة النساء.
ومع تصاعد تكاليف المعيشة، تتضاعف الضغوط الاقتصادية على النساء وأسرهن بشكل مباشر، وفي ظل هذه الظروف، تتراجع فرص إبراز القدرات الفردية وصياغة الهوية الذاتية، لتحل محلها معركة يومية من أجل الصمود أمام الفقر وانعدام الأمن وما يرافقهما من أشكال العنف، كما أن الأزمات الاقتصادية تحدّ من إمكانية الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، وتلقي بأعباء نفسية وجسدية أثقل على كاهل النساء والأطفال.
فالحرية الاقتصادية تشكّل ركناً أساسياً من حرية المرأة، إذ لا يمكن الحديث عن تمتع حقيقي بالحقوق الاجتماعية والسياسية في غياب الأمن الاقتصادي، فالبنية ذاتها التي تُمارس القمع ضد النساء هي المسؤولة أيضاً عن إنتاج الأزمة الاقتصادية واستمرارها.
إن الجمع بين المطالب الاقتصادية والعدالة الجندرية يمنح الاحتجاجات طابعاً أشمل وقوة أكبر، ويزيد من فرص الوصول إلى عدالة متكاملة، فالاحتجاجات الأخيرة في إيران، وإن بدت في ظاهرها معيشية، فإنها في جوهرها متشابكة مع مطلب العدالة الجندرية، فالعدالة الاقتصادية والعدالة الجندرية وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن تحقيق إحداهما دون الأخرى.
إن المطالبة بالخبز، وبحياة كريمة، وبالحرية، هي مطالبة إنسانية عامة لا ترتبط بجنس محدد، وتُظهر هذه الاحتجاجات أن الحياة اليومية للناس، نساءً ورجالاً، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وأن هذين البعدين يجب أن يُسعيا لتحقيقهما معاً وفي آن واحد.