أخوة الشعوب... الضمير والشجاعة من أجل المساواة
جولسن ساسون
الأخوة والأخوات من أكثر الكلمات التي يرددها البشر، وأقلها استخداماً. يسهل قولها، وتتردد أصداؤها في الساحات العامة، لكن عندما يتعلق الأمر بمعناها الحقيقي، يصبح الأمر ثقيلاً، ويتطلب مسؤولية وشجاعة. فالأخوة والأخوات ليستا مجرد حالة من "التواجد معاً"، بل هما شجاعة لتحقيق المساواة.
يمكن لعشرات الشعوب أن تعيش في نفس المنطقة الجغرافية، ولكلٍّ منها ديانتها ومعتقداتها وثقافتها. يجب أن تتمتع هذه الشعوب المتعايشة بحقوق متساوية، وأن تتقبل بعضها بعضاً بكل اختلافاتها، أي أن تقف صفاً واحداً وتتقاسم المخاطر نفسها، وتبني الانسجام انطلاقاً من الامتيازات.
يتطلب ذلك نبذ التنميط والاستغلال والسلطة. لذا، فإن الأخوة ذات طابع سياسي بلا شك. تبدأ الأخوة حيث تصبح السياسة جماعية. إنها جزء من الانسجام، حيث يندمج لونها الخاص في انسجام الألوان المختلفة. إنها التقاء أصوات مختلفة في صوت واحد. إنها ليست تشابهاً، وليست تسامحاً بعيداً.
الأرض فضاءٌ شاسعٌ تتردد فيه أصداء لغاتٍ مختلفة، وتظهر فيه وجوهٌ متنوعة. في هذا الفضاء، يحمل كل شعبٍ صوته الخاص، أحياناً في أغنيةٍ شعبية، وأحياناً في حكايةٍ خرافية، وأحياناً في نظرةٍ صامتة. إن أخوة الشعوب هي الحالة التي تتعايش فيها هذه الأصوات جنباً إلى جنب دون قمعٍ أو إيذاءٍ لبعضها البعض. إنها ليست مجرد تشابهٍ أو تسامحٍ سطحي، بل هي على العكس، إرادةٌ عميقةٌ للمعرفة والتعرف. منذ التاريخ وحتى يومنا هذا، عاشت مئات الشعوب في الشرق الأوسط وحافظت على لغاتها وثقافاتها ومعتقداتها. إلا أنه مع النظام الرأسمالي، بُذلت محاولاتٌ لتأليب الشعوب التي تعيش معاً في نفس المنطقة الجغرافية ضد بعضها البعض.
لا يقتصر مفهوم الأخوة على صلة الدم. إن شعار الدول القومية - لغة واحدة، علم واحد، دين واحد، ثقافة واحدة - استهدف الشعوب التي تعيش معاً، ساعياً إلى خلق مجتمع متجانس للغاية، وحتى يومنا هذا، تحوّل العالم، ولا سيما الشرق الأوسط، إلى حلقة نار حقيقية، تعجّ بالفوضى والصراع. وقد دأبت الدول القومية والقوى المهيمنة على تأجيج هذه النيران.
على مرّ التاريخ، وعلى مدى آلاف السنين، تنازع الشعوب التي تعيش في نفس المنطقة الجغرافية. وسعت الدول القومية إلى القضاء على روابط الأخوة بين الشعوب بربطها بروابط الدم، وبالتالي تفريقها، إلا أن تعريف الأخوة لا يقتصر على روابط الدم؛ بل يشمل أيضاً الأخوة الدينية، والأخوة الطائفية، والأخوة في الآخرة، والأخوة بالدم.
علاوة على ذلك، فإن حصر مفهومي الأخوة والأخوات في هذين المفهومين فقط أمر خاطئ. فنظراً لأن النظام الرأسمالي والدول القومية يتعاملان مع مفهومي الأخوة والأخوات من منظور ضيق، ويربطانهما باستمرار بفئة محددة، فإنهما ينتهجان سياسة الفصل والعزل بين الشعوب. وتتحول الأخوة والأخوات إلى موقف أخلاقي.
لكن الأخوة رابطة ضمير تسبق روابط الدم والدين والطائفة، وحتى روابط الآخرة. إنها تتطلب مشاركة الألم نفسه، ورؤية جزء من الذات في فرح الآخر. صرخة أم في منطقة، وصرخة أم صامتة في أخرى، وصراخ طفل في خضم الحرب - كلها تصب في نهر الإنسانية نفسه.
إن أخوة الشعوب تعني إدراك هذا المصير المشترك. مفهوم الأخوة لا يعرف حدوداً، فهو يتجاوز الدم واللغة والدين والعلم، لأن الأخوة ليست قدراً بيولوجياً أو قومياً، بل هي خيار واعٍ. أحياناً تعني الوقوف إلى جانب شعب لا تعرفه في نضاله العادل. تعني أن تشعر بألم من ليسوا من لغتك أو دينك أو ثقافتك أو دمك، وأن تنحاز إليهم. عند هذه النقطة تحديداً، تصبح الأخوة موقفاً أخلاقياً: امتلاك الإرادة للوقوف مع الحق، لا مع الظالم.
النقطة الجوهرية هنا هي أن الأُخوّة تتحوّل إلى موقفٍ أخلاقي: امتلاك الإرادة للوقوف إلى جانب أصحاب الحق، لا أصحاب القوّة.
لماذا يجب أن يتكلم أحدهم بينما يلتزم الآخر الصمت؟
إنّ النظام الرأسمالي وأيديولوجيات الدولة القومية يُظهران نفسيهما وكأنهما يحبّان الأُخوّة، لكنهما يسعيان إلى إفراغها من مضمونها. إنهما يحوّلان الأُخوّة إلى مجرّد لياقةٍ لا تمسّ الظلم، يقولان "نحن جميعاً إخوة"، لكنهما لا يسألان لماذا لا يعيش الإخوة على قدم المساواة، أمّا الأُخوّة الحقيقية فتضع هذا السؤال في مركزها. لماذا يجب أن يتكلم أحدهم بينما يُجبر الآخر على الصمت؟ لماذا يُحترم حزنُ أحدهم، بينما يُعتبر تاريخُ الآخر ولغتُه وثقافتُه أي ذاكرته جريمة؟ الأُخوّة لا تقبل هذه اللامساواة، بل تكشفها. إنّها تُناضل ضدّها وتقف في وجهها، وتنحاز إلى أصحاب الحق. وقبل كلّ شيء، توحّد اسم الجرأة مع الضمير.
الأُخوّة مُقلِقة ومتمرّدة، لأنها تسعى إلى هذا التغيير
ولهذا السبب لا تنسجم الأُخوّة مع النظام الرأسمالي والدول القومية؛ فالنظام الرأسمالي يحتاج إلى الهرمية أكثر مما يحتاج إلى الأُخوّة والمساواة، ويحتاج إلى القوّة والسلطة أكثر مما يحتاج إلى الضمير. من السهل على أصحاب السلطة أن يخاطبوا الشعوب بعبارة "إخوتي وأخواتي"، لكن من الصعب أن يقدّموا تغييراً حقيقياً. الأُخوّة مُقلِقة ومتمرّدة لأنها تريد هذا التحوّل. إنها تهدم تراتبية السلطة القائمة، تكسر الصمت، تزيح قناع الحياد، وتتخذ روحاً مقاومة. في حقيقتها، الأُخوّة هي المقاومة الجماعية لروحٍ مقاومة.
الحياة الجماعية تقوم على قصص الشعوب المختلفة وتواريخها وثقافاتها
الأُخوّة لا تُعبَّر عنها عبر التماثل. الأُخوّة هي الركيزة الأولى للحياة الجماعية. إنها أممية؛ فهي ترفع صوتها في النضال العادل لمقاتل، وتصبح صوتاً للعالم بأسره. تجد معناها الحقيقي في أحلام الذين لم تتحقق أحلامهم، أولئك الذين اضطروا إلى الهجرة بسبب الحرب والاستغلال والإبادة. ترى الحياة في مقاومة أمٍّ عربية، وتروي ألم وغضب أمٍّ كردية قُصَّ شعر ابنتها. أُخوّة الشعوب هي صدى خصلة الشعر المقطوعة لمقاتلة حرية كردية، بوصفها رمزاً لمقاومة نساء العالم. إنها تجمع هذه الحيوات المتشظّية، وهذه الشعوب المستغَلّة والمهمَّشة والمُبادَة، وتقول "ليست هذه آلاماً منفصلة، بل هي مشكلة نظامية مشتركة". وعندما يتحوّل هذا الإيمان إلى فعلٍ سياسي، يصبح أُخوّة.
قد لا يكون الناس متساوين في كل شيء
ليست كلّ أُخوّة بلا ثمن؛ بل على العكس، إنها صراعية. الذين يقفون ضد الظلم يدفعون الثمن؛ أحياناً يُقصَون، وأحياناً يُكمَّمون. لكن هذا بالضبط ما يجعلها حقّاً، لأنها تختار أن تتكلم بدل أن تصمت أمام الطغيان. إنها تبني السلام بالعدالة، لا بالصمت. واليوم، الحديث عن الأُخوّة يعني إعلاناً واضحاً عن العالم: قد لا يكون البشر متشابهين، لكن يجب أن يعيشوا متساوين. هذا الإعلان موجَّه ضد الحرب والعنصرية والاستغلال وكل أشكال الهيمنة. إنه يحدّد موقفه بوضوح، وعندما يقول "من أجل الجميع"، فإنه يُشير إلى الأبعد إقصاءً، ويستدعي الأكثر تهميشاً إلى المقدّمة.
في النهاية، الأُخوّة ليست مجرّد شعور، بل نضالٌ يُعاد بناؤه باستمرار، وشكلٌ من أشكال المقاومة. إنها الاسم المشترك للحياة الجماعية، والحجر الأساس للاشتراكية. يجب أن تُختار من جديد كل يوم. تُقاس بمن تقف خلفه، ومع من تصطفّ، وأيّ صمتٍ تكسره.