احتجاجات التاسع من تموز لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الطلابية الإيرانية

بعد مرور سبعة وعشرين عاماً على الهجوم الذي استهدف سكن الطلاب الجامعي، ما يزال التاسع من تموز/يوليو 1999رمزاً لقمع الاحتجاجات الطلابية وبداية فصل جديد في مواجهة السلطات للمطالب الساعية إلى الحرية في إيران.

مركز الأخبار ـ منذ احتجاجات تموز/يوليو 1999، واجهت الحركة الطلابية في إيران سلسلة من الإجراءات القمعية التي اتخذتها السلطات ضد أي تحرك طلابي يطالب بالإصلاح أو يعبر عن موقف سياسي، ما جعل الجامعات إحدى الساحات الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي الإيراني.

بعد مرور سبعة وعشرين عاماً على الهجوم الذي استهدف سكن الطلاب في جامعة طهران، ما زالت أحداث التاسع من تموز/يوليو 1999 تُعد محطة مفصلية في تاريخ إيران المعاصر، فقد شكلت تلك الواقعة تحولاً عميقاً لم يقتصر على مسار الحركة الطلابية فحسب بل امتد ليترك أثراً دائماً على التطورات السياسية، وعلى أسلوب تعامل السلطات مع الاحتجاجات، وكذلك على نظرة المجتمع إلى مشروع الإصلاح.

بدأت احتجاجات التاسع من تموز/يوليو 1999 في إيران كرد فعل على مصادرة صحيفة "سلام" الإصلاحية وتصاعد القيود على حرية الصحافة، لكن الهجوم الذي نفذته القوات بزي مدني على سكن الطلاب في جامعة طهران سرعان ما حوّل ذلك التحرك المحدود إلى أزمة وطنية، فقد شكل الاقتحام العنيف للمساكن الجامعية والاعتداء على الطلاب وتدمير غرفهم إضافة إلى الاعتقالات الجماعية، واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل منذ ثورة 1979، وترك أثراً عميقاً على المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.

ويعتقد العديد من المحللين أن تلك الاحتجاجات لم تكن مجرد احتجاج طلابي؛ بل كان بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطات والمجتمع المدني، مرحلة أصبحت فيها الجامعة مرة أخرى مركزاً للمطالب والحرية والاحتجاج السياسي.

وخلال تلك الاحتجاجات تأثر المناخ السياسي الإيراني بالكشف عن جرائم قتل، وخلافات داخلية، وتزايد القيود المفروضة على وسائل الإعلام، وأثارت مصادرة صحيفة "سلام" احتجاجات طلابية، لكن هجوماً ليلياً على سكن طلابي سرعان ما وسّع نطاق الاحتجاجات لتتجاوز حدود جامعة طهران.

وامتدت الاحتجاجات إلى جامعات ومدن أخرى مثل تبريز حيث خرج آلاف الأشخاص إلى الشوارع تضامناً مع الطلاب، وقد أظهر هذا الحدث أن المطالب التي طُرحت في الجامعة تعكس رغبات شريحة واسعة من المجتمع.

ومثّلت احتجاجات التاسع من تموز بالنسبة للعديد من المراقبين، بداية تراجع ثقة الجمهور في مشروع الإصلاح، وقد فشلت حكومة محمد خاتمي، التي وصلت إلى السلطة بشعار التنمية السياسية والحريات المدنية وتوسيع نطاق المجتمع المدني، في تقديم دعم فعّال للطلاب في مواجهة هذه الاحتجاجات.

وعززت مواقف السلطات آنذاك وطريقة إدارة الأزمة لدى شريحة من المجتمع الاعتقاد بأن قدرة الإصلاح في الهيكل القائم تواجه قيوداً خطيرة فيما يتعلق بقضايا مثل حرية التعبير والاحتجاجات السياسية، واستمر هذا التوجه في السنوات اللاحقة، وشهدت شعارات ومطالب المتظاهرين تغييرات ملحوظة في احتجاجات أعوام 2009 و2017 و2019 و2022 وما بعدها.

 

نمط تكرر في الاحتجاجات اللاحقة

ولم يقتصر الهجوم على سكن الطلاب الجامعي على قمع الاحتجاجات فحسب، بل يعتبر العديد من الباحثين وتقارير حقوق الإنسان التاسع من تموز بداية لنمط تكرر في التعامل مع الاحتجاجات في السنوات اللاحقة، ففي الاحتجاجات التي تلت ذلك، بما في ذلك تلك التي حدثت في أعوام 2009 و2010 و2012، نُشرت العديد من التقارير حول استخدام قوات الأمن الاعتقالات واسعة النطاق، والعنف ضد المتظاهرين، وإصدار أحكام قضائية قاسية، والتعذيب، والاعترافات القسرية، وهي قضايا تعرضت لانتقادات متكررة من قبل منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية.

وكان من أهم نتائج احتجاج الجامعات إحياء دور الجامعات في التطورات السياسية والاجتماعية في إيران، فبعد سنوات من القيود التي فرضتها الثورة الثقافية، أصبحت الجامعات مجدداً الساحة الرئيسية لطرح المطالب المدنية والسياسية.

ومنذ ذلك الحين، لعب الطلاب والجامعات دوراً مؤثراً في جميع الاحتجاجات الكبرى تقريباً في البلاد، وقد أظهرت شعارات الاحتجاج، والمسيرات الطلابية، والأنشطة النقابية والمدنية أن الجامعات لا تزال من أهم مراكز تشكيل المطالب الاجتماعية في إيران.

 

الإجراءات القضائية

بعد انتهاء الاحتجاجات، أعادت السلطة القضائية النظر في قضية الهجوم على سكن الطلاب الجامعي، إلا أن النتيجة لاقت انتقادات واسعة من عائلات الضحايا والناشطين الطلابيين والمحامين. فبينما طالب الكثيرون بمحاكمة الجناة الرئيسيين وقادة الهجوم، لم يُدان في النهاية سوى جندي واحد بتهمة سرقة شفرة حلاقة، بينما بُرئ باقي المتهمين، وهو حكم لا يزال يُعتبر من أكثر الأمثلة إثارة للجدل في الإجراءات القضائية في القضايا السياسية الإيرانية.

ولا يزال مصير بعض الطلاب الذين تم احتجازهم آنذاك، ومن بينهم سعيد زينالي، لغزاً لم يُكشف عنه في هذه القضية التاريخية، رغم مطالبة أسرته المتكررة على مدى السنوات الماضية بتوضيح وضعه، وبعد مرور سبعة وعشرين عاماً، ما تزال احتجاجات التاسع من تموز، تحتفظ بمكانة بارزة في الذاكرة السياسية والاجتماعية لإيران، فهي لا تُجسد رمزاً لمقاومة الحركة الطلابية للقيود السياسية فحسب، بل ينظر إليها كثيرون أيضاً باعتبارها نقطة انطلاق لمسار من التحولات التي تواصلت في العقود اللاحقة، واتخذت شكل احتجاجات أوسع ومطالب أكثر شمولاً.

وأصبح اسم التاسع من تموز مرتبطاَ بالسابع من كانون الأول/ديسمبر، وهو التاريخ الذي يحيي فيه الإيرانيون ذكرى مقتل ثلاثة طلاب جامعيين عُزّل برصاص قوات الشاه في جامعة طهران، ليشكل كلا التاريخين جزءاً من مسار الحركة الطلابية الإيرانية، ولا يزال هذان الحدثان يُستشهد بهما ويُعاد تفسيرهما في النقاشات المتعلقة بحرية الجامعات والحقوق المدنية وحرية التعبير وردّ السلطات على الاحتجاجات.