أفغانيات: المقاومة لا تختزل في السلاح بل في رفض الصمت

وسط الحرب والحصار، تتحمل النساء الكرديات والأفغانيات العبء الأكبر، وتكشف رواياتهن عن معاناة عميقة وصمود حيّ، حيث تحوّلن الألم إلى مقاومة تتجاوز الحدود والجغرافيا، دفاعاً عن الحق في الحياة والكرامة رغم القمع والحرمان.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ يمثل الوضع الحالي في روج آفا، كوباني، ومدينة حلب السورية انعكاساً لإحدى أكثر الأزمات تعقيداً وألماً في الشرق الأوسط؛ أزمة تتأرجح منذ سنوات بين الحرب، القمع، التدخلات الخارجية، والمقاومة الشعبية. وبينما حوّل العالم أنظاره مراراً عن هذه المنطقة، يواصل سكان روج آفا حياتهم في ظروف قاسية، حيث يسقط الضحايا يومياً تحت وطأة الاحتلال والقمع الذي تمارسه الدولة التركية، في وقت يستعيد داعش قوته ويعود إلى ارتكاب المجازر، متجاهلاً الدور البطولي الذي لعبته النساء الكرديات في دحره سابقاً.

روج آفا، باعتبارها منطقة ذات إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا، ظلت هدفاً دائماً للهجمات العسكرية التركية، وتهديدات الجهاديين والمرتزقة. هذه التجربة القائمة على المشاركة القومية والعرقية، الديمقراطية المحلية، والدور الريادي للمرأة، تُعتبر بالنسبة لكثير من الدول نموذجاً مقلقاً وخطيراً.

وخلال العام الأخير، تصاعدت الهجمات الجوية التركية على البنية التحتية الحيوية في روج آفا، حيث استُهدفت شبكات الكهرباء والمياه، إضافة إلى المراكز الصحية والتعليمية. هذه الضربات لم تقتصر على تهديد الأمن، بل شلت الحياة اليومية للسكان، وزادت من معاناة النساء والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر من هذه الكارثة المستمرة.


كوباني... جرح مفتوح

رغم أن مدينة كوباني لم تعد في صدارة اهتمام وسائل الإعلام العالمية، إلا أنها ما تزال تحمل ندوب سنوات طويلة من الحرب والحصار. كثير من أحيائها التاريخية ما زالت مدمرة، فيما تبدو مشاريع إعادة الإعمار أقرب إلى الشعارات منها إلى واقع ملموس. انعدام الأمن النفسي يثقل كاهل سكان المدينة، بينما تتحمل النساء العبء الأكبر؛ فهنّ المعيلات، الممرضات، والأمهات لأطفال نشأوا على أصوات الانفجارات. ومع ذلك، بقيت أصواتهن مهمشة وآلامهن في الهامش.

الارتباط بين روج آفا، كوباني، وحلب ليس مجرد علاقة جغرافية، بل هو رابط من المعاناة والمقاومة والتجاهل. هذه المناطق جميعها ضحية لمعادلات سياسية إقليمية ودولية تُقدّم المصالح على حساب الإنسان. وفي قلب هذه المعادلة، تلعب النساء في روج آفا دوراً محورياً في البنى الاجتماعية والدفاعية والسياسية، حضورهنّ ليس رمزياً بل فعلياً وحاسماً، وهو أحد الأسباب التي تجعل المشروع الكردي هدفاً لعداء القوى الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تواجه النساء في أفغانستان مصيراً مشابهاً؛ حيث يتعرضن للقمع الممنهج، الإقصاء من المجال العام، والتحويل إلى "قضية أمنية". هذا الواقع يخلق تجربة مشتركة بين النساء الأفغانيات ونظيراتهن في روج آفا وحلب وكوباني. وفي هذا السياق، يعكس الحوار مع ثلاث نساء من أفغانستان صورة من التضامن المنسي، إذ يروين آلامهن المشتركة مع النساء السوريات، رغم اختلاف الجغرافيا.


أصوات نساء أفغانستان

عبرت ثلاث نساء أفغانيات عن شعورهن المشترك تجاه ما يحدث في روج آفا وكوباني وحلب، حيث يجدن في معاناة النساء هناك انعكاساً لواقعهن اليومي في أفغانستان.

تقول شهلا من ولاية بروان "عندما أتابع أخبار روج افا، أشعر أنني أرى مصيري. منذ سنوات تُعاقب النساء في منطقتنا فقط لأنهن يردن أن يقررن وأن يُرَين. كما تقاتل نساء روج افا للحفاظ على بنيتهن الاجتماعية، تقاوم النساء الأفغانيات من أجل أبسط حقوقهن الإنسانية، رغم أن أدواتهن وأصواتهن باتت أكثر محدودية".

وتضيف "المشكلة المشتركة بين نساء أفغانستان وروج افا أن العالم لا يراهن إلا كضحايا، لا كأشخاص اختاروا بوعي أن يقفوا وألا يستسلموا".

أما زينب محمدي من باميان، وهي معلمة سابقة، فتقول "تجربة إقصاء النساء من التعليم والمجتمع صنعت جسراً عاطفياً بيني وبين نساء كوباني. إغلاق المدارس هناك يذكرني بإغلاق أبواب المدارس في أفغانستان. الحرب لا تُخاض فقط بالقنابل والبنادق، بل أيضاً بإسكات الفكر واللغة والأحلام. نساء روج افا وحلب وكوباني، مثل نساء أفغانستان، يواجهن حرباً طويلة ضد الأمل".

وأعلنت تضامنها مع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في الحرب، ومع ذلك لم يتخلين عن الحياة، بل واصلن الصمود بأشكال أخرى.

وتقول رابعة نور، ناشطة ثقافية من هرات "تجربة السيطرة على جسد المرأة ولباسها وصوتها هي نقطة اتصال مؤلمة بين نساء أفغانستان وسوريا. اختلاف الحكومات لم يقلل من معاناة النساء. نساء روج افا يُعاقبن لأنهن حاولن بناء نموذج مختلف للحياة، كما تُعاقب الأفغانيات لمجرد أنهن أردن حياة طبيعية".

وتضيف "برأيي، هذا التشابه ليس صدفة، بل جزء من نمط عالمي يتجسد في طالبان، داعش وهيئة تحرير الشام، حيث تُمارس أشكال مختلفة من القمع ضد النساء. إن التضامن الحقيقي لا يقتصر على الشعارات، بل يتحقق عبر تدوين الروايات، كتابة الآلام، ورفض الصمت المفروض. إن سرد النساء لتجاربهن هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة السياسية".

رغم أن روج آفا، كوباني، حلب وأفغانستان متباعدة جغرافياً، إلا أن التجربة الحياتية لنسائها تجعلها متقاربة بشكل لافت. هذا القرب يفتح الباب أمام بناء تضامن عابر للحدود، تضامن يتجاوز الجغرافيا والسياسة. هذه الأصوات، سواء من روج آفا أو كوباني أو حلب أو أفغانستان، تذكّر بأن المقاومة لا تتجسد دائماً في السلاح؛ أحياناً تكون في البقاء، في الكلام، وفي حفظ الذاكرة.