أبطال الأرض المحاصرة... ملحمة الكرد في قلب حلب
مقال بقلم الصحفية سيلفا الإبراهيم
في شمال مدينة حلب، حيث تتشابك الشوارع الضيقة والأزقّة المتعرّجة كأوردةٍ تنبض بتاريخٍ من الصمود، يقف حَيي الشيخ مقصود والأشرفية كواحد من أهمّ الأحياء التي تحمل بصمات الإنسان قبل الحجر. هذه الحارات المتلاصقة، التي تطلّ على أجزاء واسعة من المدينة، باتت عبر عقودٍ من الزمن لوحةً حيّةً عن تنوّع سكانها وحياتهم اليومية، من الكرد إلى العرب وغيرهم، وقد بلغ عددهم مع بداية العقد الأول من الألفية حوالي 800 ألف نسمة قبل الأزمة السورية.
في هذه الأزقّة العتيقة، يجد النازحون من عفرين مأوىً أخير بعد أن تهجّروا قسرياً من مدنهم وقراهم، حامِلِين معهم ذكريات طويلة من النفي والبحث عن الأمان.
مقاومة تاريخية قبل الأزمة السورية
لم تبدأ مقاومة أهالي الحيين مع الأزمة السورية فحسب؛ فالتاريخ هنا أعمق من سنوات الحرب الراهنة، فقد خرج أهالي الشيخ مقصود والأشرفية منذ أوائل الألفية إلى الشوارع في احتجاجاتٍ كانت من أوّل ردود الفعل الجماعية على قمع السلطات، وشاركوا في انتفاضة قامشلو عام 2004 على نحوٍ لافتٍ، رغم القمع الشديد الذي واجهوه.
على مدى سنوات، صمدت هذه الأحياء أمام القمع والحصار والاشتباكات أكثر من مرة، وتحوّلت فيها البيوت إلى مراكز عزيمة، والشوارع إلى مشاهد يومية من إرادة الإنسان ضدّ كلّ ما يحدّ من حريته واستمراره في أرضه. وكان الاحتفال بـ عيد نوروز إحدى لحظات التقاء الفرح بهتافات الرفض ضدّ منع السلطات له، رمزاً يجمع بين الهوية الثقافية والحق في الحياة.
اليوم في قلب حلب، تبقى الشيخ مقصود والأشرفية أيقونةً للثبات؛ حيث تعبّر بيوته وأزقته الضيقة عن إرادةٍ لا تنكسر، تجمع بين التاريخ والجغرافيا والإنسان في مشهدٍ واحدٍ نابضٍ بالحياة، رغم الجراح التي تركتها سنوات النزاع الطويلة.
الأزمة السورية وتصاعد الهجمات
ومع اندلاع الأزمة السورية وبدأ الاحتجاجات في كافة الأراضي السورية بدأ حي الشيخ مقصود بتنظيم مؤسساته الثقافية والإدارية، وتعرض للهجمات وحصار على مدى الأزمة السورية، ففي عام 2013، واجه الحيان هجمات مزدوجة من النظام والجماعات المسلحة، بين 29 آذار/مارس و17 نيسان/أبريل، شن النظام السابق هجوماً جوياً، واستهدف الحي بالقنابل العنقودية في 10 نيسان/أبريل ما أسفر عن استشهاد 15 مدنياً، واستخدم غاز "السيانيد" في 13 نيسان/أبريل ما أدى لمقتل 3 وتسمم 16 آخرين، بالمقابل، شن مرتزقة "خالد حياني" هجوماً على السكن الشبابي في 25 نيسان/أبريل، اختطفوا وقتلوا مدنيين، لكن وحدات حماية الشعب طردتهم في حزيران/يونيو 2013، وفشلت بذلك هجمات ائتلاف فصائل (جبهة النصرة، لواء التوحيد، أحرار الشام) أمام صمود المقاتلين، وفي أيلول/سبتمبر 2014، شارك مقاتلو الحي في مقاومة هجوم داعش على كوباني، ناقلين خبرة حرب الشوارع المكتسبة في حلب.
ابتداءً من 22 أيلول/سبتمبر 2015، تعرض حيّا الشيخ مقصود والأشرفية لحصار شديد تزايد خلال عام 2016، فيما دعت حركة المجتمع الديمقراطي للنفير العام، وتعرض الحي لاحقاً لهجمات بالمواد الكيميائية، ما أسفر عن سقوط مدنيين بينهم أطفال في أيلول/سبتمبر، قبل أن تتمكن وحدات حماية الشعب في تشرين الثاني/نوفمبر من تحرير ستة أحياء شرقية، مؤكدة انتصار السكان على المعتدين.
اتفاقيات للحماية وفشل الالتزام بها
فضلاً عن الحصار المستمر على الحيين طوال الأزمة السورية واستمراره حتى بعد سقوط نظام البعث، ظلّت المعاناة قائمة مع استمرار الحصار وتصاعد الهجمات والتوترات الأمنية بشكل أكبر بعد ذلك، خاصة مع صعود جماعات متشددة في المشهد، التي زادت من تهديداتها باقتحام الحيين، مما وضع سكانهما تحت ضغط دائم من الخوف وعدم الاستقرار.
وبهدف إنهاء الحصار وتخفيف معاناة المدنيين وتحسين ظروف حياتهم، وقع المجلس المحلي في الحيين اتفاقاً مع محافظ حلب التابع للحكومة المؤقتة في الأول من نيسان/أبريل 2025، وكان هذا الاتفاق ثمرة اتفاق سابق بتاريخ 10 آذار/مارس من نفس العام بين الجنرال مظلوم عبدي وأحمد الشرع "الجولاني"، سعياً لتنظيم الوضع الأمني وتسهيل حركة السكان وتخفيف القيود المفروضة عليهم.
والتزاماً ببنود الاتفاق، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من الحيين، وسلّمت حمايتهما إلى قوى الأمن الداخلي التابعة للمجلس المدني للحيين، إلا أن حكومة دمشق المؤقتة لم تلتزم ببنود الاتفاق، واستمرت في فرض الحصار بين الحين والآخر على الحيين، وعندما كان الأهالي يحتجون على هذه السياسات، يتعرضون لهجمات وقصف بالأسلحة الثقيلة، واستخدام الغازات المسيلة للدموع، ورغم ذلك، لم تتوقف جهود مجلس الحيين في السعي لتنفيذ الاتفاق، لكن دون جدوى.
هجمات الجهاديين والمباركة الدولية والإقليمية
في 4 كانون الثاني/يناير من هذا العام، توجّه وفد من إقليم شمال وشرق سوريا إلى دمشق، ممثلاً بقيادة قوات سوريا الديمقراطية، وهم سوزدار عفرين، وسيبان حمو، ومظلوم عبدي، وذلك لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس، وبحسب ما أفاد به سيبان حمو، فإن الاجتماع الذي جمعهم مع الحكومة المؤقتة جرى في أجواء وُصفت بأنها إيجابية للغاية، حتى لحظة ما قبل التوقيع، حين دخلت إحدى الشخصيات البارزة، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، ويُرجَّح أنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والذي منع توقيع الاتفاق، مطالباً بتأجيله إلى وقت لاحق، عندها أدركت قسد أن هناك مؤامرة تُحاك ضد المنطقة، وهو ما تبيّن لاحقاً مع التصعيد الأخير على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ولكن قبل أن نتطرق إلى ما شهده الحيين خلال التصعيد سنتطرق إلى المؤامرة التي حيكت لجر الحيين إلى هذه الحرب، ونسف جميع الاتفاقات التي وقعت، والأطراف المستفادة من هذه الهجمات والانتهاكات.
لو تمعّنا جيداً، لوجدنا أن الهجمات على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ليست عشوائية، بل تأتي في سياق صراع يستهدف إبادة الكرد، فرغم أن جهاديي هيئة تحرير الشام التابعين لوزارة الدفاع هم من أعلنوا الهجوم على الحيين، فإن تركيا رحّبت بهذه العملية رسمياً على أعلى مستويات الدولة، ومن خلال وزارتي الدفاع والخارجية، مدّعية أن "العملية تصب في إطار أهدافها الأمنية".
كما أن مشاركة مرتزقة "الحمزات، والعمشات، ونور الدين الزنكي"، الذين يتلقّون أوامرهم بشكل مباشر من تركيا، إضافةً إلى نوعية الأسلحة المستخدمة في الهجمات، وهي أسلحة تركية، ولا سيما طائرات "بيرقدار" المسيّرة التي ارتكبت مجازر في الحيين واستهدفت المشفى الوحيد فيهما، يبيّن بوضوح الدور التركي في سياسة الإبادة التي نُفّذت بحق الحيين.
وجاءت هذه الهجمات في ظل المساومة على الجنوب السوري بين الحكومة المؤقتة وإسرائيل، بهدف صرف نظر المجتمع السوري عن الجنوب الذي بات تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، وتوجيه الأنظار إلى حلب، وجعلها تبدو نصراً أمام السوريين لتغطية خضوعه في الجنوب، وبما أن جميع الصراعات القائمة في سوريا تخدم المصلحة الإسرائيلية، فقد شهدنا الصمت الإسرائيلي على هذه الانتهاكات، فلم تتدخل ولم تطالب بوقفها كما فعلت في السويداء، فخروجها عن صمتها إزاء الانتهاكات التي تعرّضت لها الطائفة الدرزية يخدم مصلحة إسرائيل في توغّلها داخل سوريا وتوسيع نفوذها، وليس اكتراثاً بدماء الدروز.
أما حراس الحقول النفطية، وأقصد هنا "التحالف الدولي" الذي يدّعي أنه يحارب الإرهاب وداعش، فهم في الحقيقة يحرسون حقول النفط، فهل يا ترى الزي الرسمي للجولاني أنسى الرئيس الأمريكي ترامب أنه كان إرهابياً ومطلوب الرأس مقابل 10 مليون دولار، أم أن المصالح هي التي أنست ترامب؟ أم أن رشّ العطر على بدلة الجولاني في البيت الأبيض، كعصا سحرية، قضى على أفكار داعش في رأسه؟ ألم ترَ الاستخبارات الأمريكية أن أعلام داعش تباع في سوق الحميدية، أم أنها لم ترَ صورة الجولاني برفقة منفذ الهجوم على الدورية الأمريكية في تدمر؟ أم أن ترامب صدق نكتة يوم السبت؟
ورغم أن الإعلام يمثل ذاكرة المجتمعات، كيف لهذه القنوات أن تنسى أن الجولاني كان ينتمي لتنظيم القاعدة؟ كيف تجاهلت الكاميرات خطاب الجولاني وهو يقول إنه لن يقف في دمشق بل سيستمر حتى يحرر القدس؟ كيف نُسيت صور الجولاني برفقة داعش؟
كيف لهم أن ينسوا هوية من قضى على تنظيم داعش؟ كيف لهم أن يجهلوا أن العالم بأسره مديون للشهداء والمقاتلين الذين خاضوا الحرب ضد أخطر تنظيم إرهابي في العالم؟ الذاكرة لا تخون، والصحافة مهنة أخلاقية، إلا أن الصحافة العربية المسيسة لم تحظَ بها.
300 مقاتل ضد جيوش الدول والإرهاب
300 مقاتل واجهوا هذه المؤامرة والحرب الإعلامية، أما على الصعيد العسكري، فقد واجهوا 42 ألف إرهابي، و110 دبابة، بالإضافة إلى 4 طائرات بيرقدار تركية، و67 طائرة مسيرة انتحارية، ومدفعيات بعيدة المدى، و57 مدرعة كبيرة، و22 راجمة كبيرة، و32 رشاش دوشكا.
أما المشاركون في العملية العسكرية فكانوا من الفرقة 60، الفرقة 72، الفرقة 86، الفرقة 62، إلى جانب تعزيزات إضافية قدمت من أرياف حلب الشمالي والجنوب، وإدلب وريفها، والرستن في حمص، وريف حماة الشمالي، والأمن العام من حلب وإدلب، بالإضافة إلى أجهزة ما تعرف باسم حفظ الأمن، والهندسة، ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن أنباء عن مساندة عشائر لعناصر الجولاني، وتأتي هذه الإحصائية بحسب مجلة دير شبيغل الألمانية.
جرائم حرب وانتهاكات إنسانية
ما جرى في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن توصيفه كعملية عسكرية أو اشتباك عابر، بل يرقى بوضوح إلى جرائم حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني، فاستهداف المدنيين المحاصَرين، وقصف المباني السكنية، وإخراج المشافي عن الخدمة، وقطع الكهرباء والخدمات الأساسية عن مئات آلاف المدنيين، يشكّل انتهاكاً صريحاً لمبادئ التمييز والتناسب المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.
التوغّل البري الذي رافق القصف لم يكن أقل وحشية؛ إذ ترافقت العمليات مع إهانة المدنيين، وإذلال الشباب، والزجّ القسري بالبعض في خطوط القتال الأمامية، ومنع المسنين من الوصول إلى مناطق آمنة، بل إعادتهم قسراً إلى مناطق تتعرض للقصف، في سلوك يندرج تحت المعاملة اللاإنسانية والعقاب الجماعي، كما أن الاستهداف المتكرر للمشفى الوحيد في الشيخ مقصود، وهو الملاذ الأخير للجرحى والمرضى، يشكّل جريمة حرب موصوفة لا تسقط بالتقادم.
إن إعلان هدنة مشروطة بالاستسلام في ظل الحصار والقصف لا يُعد مبادرة إنسانية، بل ابتزازاً عسكرياً للسكان المدنيين، ومحاولة لكسر إرادتهم عبر التجويع والخوف، وهو ما تحظره القوانين الدولية بشكل قاطع، وفي مواجهة هذا المشهد، لم يكن قرار الصمود خياراً سياسياً فحسب، بل رداً إنسانياً على محاولة إخضاع جماعي بالقوة.
إن دماء النساء والأطفال، وصرخات الجرحى في مشافٍ مستهدفة، وذاكرة المدنيين الذين حُوصروا وقُصفوا وعوقبوا جماعياً، تشكّل اليوم أدلة حيّة على جرائم لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية أو عسكرية، فالقانون الدولي واضح: حين تُستهدف الحياة المدنية عمداً، تتحول القوة إلى جريمة، ويصبح الصمت الدولي شريكاً فيها.
إرادة المقاتلين وصمودهم الملحمي
كان قرار المقاومة لرفض الإبادة، والهجرة، وسلب الإرادة، والمساومة على الهوية، ومع اقتراب المرتزقة من نقاط الدفاع، استخدموا قنابل مسيلة للدموع واستهدفوا مشفى خالد فجر لإخراجه عن الخدمة، في محاولة وحشية لترك الجرحى والمصابين للموت.
لكن رغم الهجمات الشرسة واستهداف المدنيين، لم يلين مقاتلو قوى الأمن الداخلي، ونفذوا عمليات فدائية لحماية الأهالي وتخفيف الأضرار عنهم. لقد فضّل هؤلاء الأبطال الشهادة واقفين على أرضهم على أن يعيشوا وهم راضخون للإرهاب، وكان غالبية المقاتلين يستشهدون وهم يقاومون حتى الرمق الأخير، مؤكدين بأن الإرادة والصمود أقوى من أي تهديد، وأن الأرض لا تُسلم إلا لمن يستحق الدفاع عنها.
استمرت مقاومة 300 مقاتل ومقاتلة لمدة خمسة أيام متواصلة أمام دولتين، إحداهما تصنّف ثاني أقوى جيش في حلف الناتو. في هذه المعركة، لم تسقط الشيخ مقصود والأشرفية، بل دخلها المعتدون الذين انتهكوا كافة المعايير الإنسانية، مستهدفين المشافي، وحارقين الجثث، وممارسين الإعدامات الميدانية، وإلقاء المقاتلين من المباني، واستخدام القنابل المسيلة للدموع.
لكن المقاتلين والمقاتلات في هذه المعركة لم يخسروا شيئاً، لأنهم قاوموا حتى الشهادة ورفضوا الخضوع للإرهاب والإذلال. لقد انتصرت هذه المقاومة بقيمها الإنسانية والثورية، مؤكدة أنها لا تقل عظمة عن أعظم الثورات في التاريخ.
أما المرتزقة وجميع من صمت عن هذه الانتهاكات ولعب دور المتفرج، فقد خسر أخلاقياً وإنسانياً ووجدانياً، وأظهرت هذه المعركة أن القوة العسكرية لا تساوي شيئاً أمام الإرادة والمبادئ، وأن من يهاجم القيم الإنسانية يخسر قبل أن يحقق أي نصر.
إحياء الروح الكردية في مواجهة الظلم
إن المقاتلين الذين اختاروا الشهادة بدل المساومة على الأرض والعرض والشعب، عاهدوا بأن يكونوا أوفياء لقيمهم ومبادئهم مادام الدم يسري في عروقهم، وبالفعل، قادوا أروع ملاحم البطولة حتى الرمق الأخير، مجسّدين إرادة الشعوب في الدفاع عن كرامتها وحريتها.
وهنا أحيى التاريخ مرة أخرى، مقاومة الروح الكردية تجاه الظلم، كما فعلت سور آمد، روحٌ اختارت الشهادة بدل الاستسلام، وأثبتت أن الحرية والكرامة لا تُستسلم، بل تُدافع عنها بالتضحية والإصرار.
وكلما حاول الطغاة المساس بالكرامة الكردية وحريتهم، سيواجهون روح أرين ميركان وأفيستا خابور ودنيز وزياد، وستتحول هذه الأرواح إلى قنابل في وجه مخططات الظالمين، لتنتصر الشعوب المقاتلة على الطغيان والظلم، كما انتصر كاوا الحدّاد على ازدهاك في الأساطير، ليبقى التاريخ شاهداً على أن الإرادة والتضحيات تصنع المجد وتثبت الحق في وجه القوة المادية.