27 يوماً من الاحتجاجات... آلاف المعتقلين يواجهون التعذيب والاعترافات القسرية وخطر الإعدام

رغم محاولات النظام الإيراني التعتيم على حجم القمع، تشير تقارير حقوقية إلى أن آلاف المحتجين المعتقلين يتعرضون للتعذيب والاعترافات القسرية وتلفيق القضايا، فيما يواجه عدد منهم خطر الإعدام، في ظل تصاعد المخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

مركز الأخبار ـ تحاول السلطات الإيرانية التعتيم على حجم القمع عبر حجب الأخبار وتقييد تدفق المعلومات، فيما تكشف تقارير حقوقية أن آلاف المعتقلين من المتظاهرين يتعرضون للتعذيب والإجبار على الاعتراف، ويواجه بعضهم أحكاماً بالإعدام، كما أشارت التقارير إلى تنفيذ إعدامات سرية، في إطار سياسة تهدف إلى بث الخوف والقضاء على المعارضين ومنع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية.

أكدت شبكة حقوق الإنسان في كردستان، نقلاً عن مقابلات مع العديد من المصادر المطلعة في كرماشان، أنه خلال الاحتجاجات التي شهدتها المدينة فقد تسعة مواطنين كرد بينهم شابة، حياتهم نتيجة إطلاق نار مباشر من الحرس الثوري، وبحسب المعلومات المتوفرة، بلغ عدد المواطنين الكرد الذين لقوا حتفهم في الاحتجاجات بمدن إيرانية مختلفة، والذين سجلت هوياتهم لدى شبكة حقوق الإنسان في كردستان 72 شخصاً بينهم 24 قُتلوا في كرمانشان.

وأفادت مصادر محلية أن العدد الحقيقي للضحايا في المدينة، التي تحولت إلى أحد المراكز الرئيسية للاحتجاجات، يفوق بكثير الأرقام المعلنة، فيما لا تزال الجهود جارية لتوثيق حصيلة أدق، ووفقاً لمصدرين مطلعين نُقل ما لا يقل عن 70 جثة لمتظاهرين إلى مستشفى طالقاني، معظمهم قُتلوا في أحياء داريداريز ونوباهار وإلهية وشارع تقبستان ورشيدي، إثر إطلاق نار مباشر من قوات الحرس الثوري، وذلك في أحداث دموية.

وكشفت تقارير حقوقية عن سقوط عدد من الضحايا الكرد خلال الاحتجاجات الأخيرة في مدن مختلفة. ففي كرماشان قتل شخصان وسط غياب تفاصيل عنهما، وفي مشهد قُتل مواطن كردي ودُفن بشكل غير رسمي بعد أيام من مقتله في إطار ما وُصف بسياسة "الدفن السري"، كما قتل مواطنان من طائفة اليارسان إضافة إلى مواطن من قصر شيرين برصاص القوات العسكرية والأمنية.

 

الاحتجاجات مستمرة رغم القمع

ما يحدث في شرق كردستان اليوم دليل على سياسة النظام الإيراني الواعية والمنهجية لاحتوائها باعتبارها إحدى القوى الدافعة وراء الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء البلاد، ويُظهر تركز عمليات القتل في مدن مثل كرمانشان، والاستخدام الواسع النطاق للأسلحة النارية المباشرة، والجهود الممنهجة لإخفاء العدد الحقيقي للضحايا، أن النظام الإيراني لا ينظر إلى كردستان على أنها "هامش أمني"، بل على أنها تهديد استراتيجي داخلي.

ويمثل القمع الدموي في إيران امتداداً لتقارب أمني إقليمي ضد الكرد، يتوازى مع هجمات داعش وجهاديي تحرير الشام والقوات التركية الوكيلة المدعومة من قوى دولية، إضافة إلى ضغوط الشرطة التركية على أهالي الإقليم لدعمهم الشباب المتجهين إلى روج آفا، ورغم هذا العنف تُظهر الاحتجاجات المستمرة أن القمع لم ينجح في إسكات الشارع، إذ تحولت شرق كردستان مجدداً إلى ساحة مركزية للصراع بين الاستبداد والتوق إلى الحرية، بما ينعكس على المعادلات الكردية والإقليمية خارج حدود إيران.

بحسب بيانات جمعتها وكالة أنباء هرانا، التابعة لجمعية نشطاء حقوق الإنسان في إيران، بلغ عدد القتلى المؤكدين 502 قتيلاً، بينما لا تزال التحقيقات جارية في وفاة 9787 آخرين. إضافةً إلى ذلك أُصيب 7391 شخصاً بجروح خطيرة خلال الاحتجاجات، وارتفع عدد المعتقلين إلى 26852، ويأتي نشر هذه الأرقام في وقتٍ سعى فيه المسؤولون أمس إلى ترسيخ الرواية الرسمية للنظام بشأن حجم المجزرة، مستشهدين بأرقام أقل صادرة عن منظمة الطب الشرعي.

 

اعترافات قسرية وتلفيق للتهم

وبحسب تقارير من داخل إيران، فإن آلاف المحتجين المحتجزين يواجهون التعذيب، والاعترافات القسرية، وتلفيق الملفات الأمنية، والأحكام القضائية القاسية في ظروف بعيدة عن الرقابة العامة، كما أن عدداً منهم معرض لخطر الإعدام الوشيك.

وبحسب هذه التقارير فبينما تحاول السلطات إخفاء الأبعاد الحقيقية للقمع من خلال الصمت الإعلامي والقيود الصارمة على المعلومات، يستمر تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتظاهرين سراً، وهي عملية أثارت مخاوف جدية بين منظمات حقوق الإنسان بشأن تصاعد الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في إيران.

وفي أعقاب الاحتجاجات التي عمت إيران، ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة مواطنين في مدن طهران ومشهد وبوشهر هذا الأسبوع، وفي الوقت نفسه أفادت وسائل إعلام مقربة من المؤسسات الأمنية باعتقالات واسعة النطاق للمحتجين في محافظتي هرمزجان وزنجان تحت ذريعة "قادة الاحتجاجات"، وتزامن هذا الخبر مع نشر مقاطع فيديو لما يُسمى "اعترافات" من بعض المعتقلين ولا تزال الظروف التي سُجلت فيها هذه المقاطع غامضة.

وأفادت وكالة "تسنيم" الحكومية باعتقال مواطن في طهران خلال الاحتجاجات الأخيرة، ووجهت إليه تهمة "تخريب الممتلكات العامة"، فيما نشر فيديو لاعترافاته دون أي توضيح بشأن ظروف احتجازه أو وضعه القانوني، وفي تقرير أخر ذكرت الوكالة اعتقال عشرة مواطنين في سيستان وبلوشستان، بينما أعلن قائد شرطة بوشهر القبض على شخص متهم بقتل ضابط من الوحدة الخاصة، دون صدور تفاصيل مستقلة أو معلومات قانونية مؤكدة حول هذه القضية.

وأفادت تقارير باعتقال عدد من المواطنين في مشهد من قبل قوات الأمن، بالتزامن مع نشر مقطع فيديو لاعتراف قسري وسط غموض بشأن ظروف تسجيله، وفي سياق متصل أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية أن جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري في زنجان اعتقل ما لا يقل عن 90 متظاهراً، ووصفتهم بأنهم "قادة جماعات ملكية" و"عملاء لجماعات إرهابية"، دون أي تفاصيل مستقلة تؤكد هذه المزاعم.

وتعكس موجة الاعتقالات الأخيرة استمرار النظام الإيراني في تسييس الاحتجاجات الشعبية عبر تجريمها وإعادة إنتاج سردية "التهديد الأمني"، مستخدماً أوصافاً دعائية مثل "قادة الاحتجاج" أو "عملاء إرهابيين" لردع المعارضين، ويُظهر النشر المتكرر لفيديوهات الاعترافات القسرية انتهاكاً واضحاً لمبدأ المحاكمة العادلة، إذ غالباً ما تُسجّل تحت الضغط أو التعذيب بهدف بث الخوف وإضفاء الشرعية على القمع، وعلى نطاق أوسع، يشير انتشار الاعتقالات من طهران إلى جيلان، مشهد، زنجان، هرمزجان، سيستان وبلوشستان إلى أن السلطات تعتبر الاحتجاجات تحدياً وطنياً وهيكلياً، غير أن استمرارها رغم التصعيد الأمني يكشف محدودية فعالية هذه الإجراءات في احتواء السخط الشعبي.

 

استمرار قطع الإنترنت

وأعلنت منظمة "نتبلوكس" لمراقبة الإنترنت أن الانقطاع الواسع على مستوى البلاد في إيران مستمر منذ نحو 360 ساعة، مع بقاء مستوى الوصول محدوداً للغاية ودون تغيير يُذكر، وأوضحت أن الزيادة الطفيفة اقتصرت على شبكات "القائمة البيضاء"، التابعة للمؤسسات الحكومية وبعض الخدمات المحلية، فيما تمكن عدد محدود من المستخدمين من الاتصال خارج البلاد عبر شبكات أنفاق.

ويتزامن هذا الانقطاع مع موجة احتجاجات واسعة وتقارير عن قمع وقتل، وهو ما تعتبره منظمات حقوق الإنسان محاولةً للسيطرة على تدفق المعلومات ومنع توثيق الانتهاكات وإخفاء حجم الخسائر البشرية، مما أثار مخاوف متزايدة بشأن حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات في إيران.

وأكد المقرر الخاص للأمم المتحدة، أن الحقائق المتعلقة بقمع الاحتجاجات في إيران لا يمكن توضيحها دون تحقيق مستقل ونزيه ودولي، مشيراً إلى أن الانتهاكات الممنهجة مثل القتل والتعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، قد ترقى إلى مستوى "الجريمة ضد الإنسانية" إذا ثبتت.

وشدد على أن حجم وطبيعة التقارير الواردة يبرز الحاجة الملحة لتشكيل بعثة مستقلة لتقصي الحقائق. وبناءً على المعلومات المتوفرة، أشار إلى مقتل ما لا يقل عن 5000 مدني، مع تقارير من أطباء داخل إيران تفيد بأن العدد قد يصل إلى 20 ألفاً أو أكثر، مؤكداً أن هذه الأرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل بسبب انقطاع الإنترنت والقيود الأمنية المفروضة على تدفق المعلومات.

وتشير دعوة المقرر الخاص للأمم المتحدة إلى تشكيل بعثة مستقلة لتقصي الحقائق إلى أن قمع الاحتجاجات في إيران لم يعد يُنظر إليه كمسألة حقوقية داخلية فحسب، بل كمسؤولية دولية قد ترقى إلى مستوى "الجريمة ضد الإنسانية"، ويعكس ذلك إدراك المؤسسات الدولية أن الانتهاكات ليست أحداثاً متفرقة، بل سياسة ممنهجة.

الفجوة الكبيرة بين الإحصاءات المنشورة من مصادر مختلفة تُظهر حجم التستر الممنهج وقمع الإعلام والقيود الصارمة على الإنترنت، ما يعقد عملية التحقق ويزيد الحاجة إلى آليات دولية مستقلة، وعلى الصعيد السياسي، فأن تشكيل بعثة تقصي الحقائق قد يفتح الباب أمام المقاضاة الدولية للمسؤولين، ويعزز من الضغط الدبلوماسي على النظام الإيراني، وهو ما يفسر مقاومة السلطات لأي تحقيق مستقل خوفاً من التداعيات القضائية والسياسية.

بشكل عام، يمثل هذا الطلب الأممي انتقال القضية من كونها احتجاجاً داخلياً إلى ملف خطير في النظام الدولي لحقوق الإنسان.