عنابة ستحتفي بالمسرح النسوي... عروض وآفاق جديدة لتمكين المبدعات
تتجه أنظار عشاق المسرح إلى مدينة عنابة، التي تحتضن فعاليات الطبعة الثامنة من المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، في دورة تحمل رؤية متجددة تعزز حضور المرأة كصاحبة مشروع ورؤية داخل المشهد المسرحي الجزائري.
رابعة خريص
الجزائر ـ أكدت جزائريات ستشاركن في الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بعنابة أن حضور الهوية والتراث في المسرح يشكل ضرورة فنية تُعيد قراءة الموروث وتمنحه حياة جديد، معتبرات أن هذه الدورة تفتح آفاقاً واسعة أمام الإبداع النسوي.
تحت شعار "آفاق" تتجه أنظار عشّاق الفن الرابع نحو جوهرة الشرق الجزائري، مدينة عنابة في أقصى الشمال الشرقي للبلاد، على بُعد نحو 600 كيلومتر من العاصمة، حيث تحتضن فعاليات الطبعة الثامنة من المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي خلال الفترة من الثلاثين من أيلول/سبتمبر الجاري وحتى الخامس من تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وتأتي هذه الدورة، التي سيحتضنها المسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" ودار الثقافة "محمد بوضياف"، برؤية متجددة تتجاوز الأطر التقليدية؛ إذ لا تكتفي المرأة المسرحية بدور الأداء، بل تحضر بصفتها صاحبة الرؤية والنص الإخراج فاتحة أفاقاً إبداعية تعكس تنوع قضايا المرأة في المجتمع والساحة الفنية.
واعتمد المهرجان تمثال "هيبونيا العنابية" عنصراً محورياً يختزل عراقة المدينة، إذ تُستمد كلمة "هيبونيا" من "هيبون" الاسم التاريخي القديم لعنابة، مؤكدةً عمق الانتماء لهذه الأرض، ويتجلى هذا الإرث في تركيب فني يستلهم ملامحه من شخصيتين بارزتين في الذاكرة الوطنية: القديسة مونيكا رمز المرأة النوميدية الصابرة، والكاهنة رمز المرأة المحاربة والمدافعة عن أرضها، ليكرس هذا المزيج حضوراً نسوياً يربط المرأة بأبو الفنون بوصفه رمزاً للقوة والحضارة والاستمرارية الثقافية.
ويتكاملُ هذا التأصيل التاريخي مع اختيار عُنوان "آفاق"، الذي يحمل إيحاء قوياً بالانفتاح على المُستقبل، والتطلع إلى محطات مسرحية مُتجددة لا تنتهي بانتهاء هذه الطبعة، وتأكيداً لهذا البُعد تحضر الدلالات الرمزية بقوة لتُؤكد أن المرأة في هذا الحقل ليست مُجرد عنصر جمالي جذاب، بل هي رمز للقوة والحضارة والاستمرارية الثقافية، وهُو ما يبدو جلياً في حملها للقناع المسرحي الذي يربطها مُباشرة بجوهر الفن الرابع بوصفه فضاءً للتعبير والمُقاومة الفكرية.
11 عرضاً تحت مجهر القراءة الأكاديمية
ولا تقتصر هذه الطبعة على الجانب الفني البصري فحسب، بل ستُرافقها مُقاربة نقدية وفكرية عميقة تضعُ العُروض المسرحية الـ 11 المُبرمجة أمام مساحة مفتوحة للتأمل والحوار، ولأجل ذلك خصص المهرجان لجنة للنقد تضمُ نخبة من الدكاترة والأساتذة الباحثين المُتخصصين من مُختلف الجامعات والمعاهد الوطنية.
وستتولى اللجنة مُرافقة العروض الـ 11 وعروض المونولوج، سواء المُوجهة للكبار وللأطفال، من خلال إعداد بطاقة نقدية خاصة بكل عرض يُقدم ويناقش عقب العروض في جلسات فكرية مفتوحة، وبعيداً عن منطق التنقيط أو التصنيف أو التنافس، وتُشكل هذه البطاقات أداة بناءة للملاحظة والتفكير وتبادل وجهات النظر حول مختلف مكونات العمل المسرحي؛ بدءاً من الكتابة والإخراج والأداء، والدراماتورجيا والسينوغرافيا، وصولاً إلى تفكيك طبيعة العلاقة الإنسانية التي تنشأ بين العرض والجمهور.
حاضنة إبداعية تجمع 37 مبدعة
وفي خطوة تنظيمية بارزة، يُطلق المهرجان لأول مرة منتدى "حاملات المشاريع الفنية والكاتبات" تحت شعار "مشروعك، رؤيتك، مستقبلك"، مُقدماً المبدعات من المؤلفات والمخرجات في صدارة المشهد بما يحملنه من أفكار ونصوص ورؤى جديدة تُساهم في إعادة تشكيل ملامح المسرح الجزائري.
وسيفتح المنتدى فضاءً مخصصاً للإبداع والتكوين والمرافقة والتبادل، ليستفيد من برامجه 37 مشاركة من الطاقات النسوية الصاعدة، وتتوزع هذه الحركية التكوينية على مسارين متكاملين: المسار الأول يضم 24 حاملة مشروع في ورشة متخصصة بالتسويق الفني وتطوير استراتيجيات التواصل وتثمين الأعمال، تُتوج بتقديم 20 مشروعاً في جلسات علنية أمام لجنة مهنية عبر تقنية Pitch لفتح آفاق تطوير جديدة. أما المسار الثاني فيُخصص لـ 13 مؤلفة مسرحية يستفدن من مرافقة فردية متخصصة تمنح كل كاتبة قراءة مهنية تُتابع خصوصية نصها ومسار تطوره.
ويهدف المنتدى إلى نقل حضور المرأة المسرحي من الأداء إلى الإنتاج والتدبير عبر برامج الما ستر كلاس في التسويق الثقافي والتمويل والرعاية، إضافة إلى جلسات Pitch أمام لجان مختصة ومرافقة دراماتورجية فردية، بما يعزز تأسيس صناعة مسرحية نسوية مستدامة.
وبالتوازي مع العروض والتكوين، يحتفي المهرجان بالذاكرة البصرية للمسرح من خلال معرض "بين الأمس واليوم" للأزياء المسرحية النسوية، ثمرة تعاون بين المسرح الجهوي لعنابة والمسرح الوطني الجزائري، في فضاء يثمن الإبداع النسوي ويُبرز دور الأزياء بوصفها وثائق حية تحفظ تاريخ العروض وتجارب المسرح الجزائري وتصل بين الذاكرة والتراث والإبداع المعاصر.
رؤى نسوية تُثمن برنامج التمكين
وقد أجمعت المُشاركات في هذه الدورة على تثمين برنامج المهرجان، لا سيما "منتدى حاملات المشاريع الفنية والكاتبات" حيث اعتبرنه قفزة نوعية وفضاءً غير مسبوق يُخرجهن من دائرة الأداء التقليدي إلى فضاء التمكين، التسويق والقيادة الفنية.
وفي هذا السياق، أكدت المُخرجة والمُؤدية ليلى بن عطية الحائزة على عدة جوائز أن "منتدى حاملات المشاريع" قد فتح أفقاً مُهماً أمام المرأة كونهُ لا يحصرها في موقع المُؤدية، بل منحها الفضاء الكامل لتكون صاحبة مشروع، رؤية، وقرار فني مستند.
وعن خصوصية مشاركتها في هذه الطبعة، بعد تجارب سابقة لها في هذا المحفل النسوي، كشفت ليلى بن عطية عن خوضها التحدي هذه المرة كحاملة لمشروعها المسرحي الجديد "أديغون" قائلة أن "هذا المشروع الذي أعمل عليه منذ مدة، أرى أن المنتدى قد منحه أول فرصة حقيقية ليرى النور ويُجسد فوق الخشبة طبعاً إذا نال الاستحقاق والتثمين وتُوج كأحسن مشروع".
وأكدت أن حضور الهُوية والتراث في المسرح ضرورة تُعيد قراءته فنياً وتمنحه حياة جديدة، مشددةً على مسؤولية الفنان الجزائري في صون ذاكرته وهويته وتحويل هذا الإرث إلى مادة إبداعية قادرة على مخاطبة الجمهور المعاصر، وتلتقي هذه الرؤية مع فلسفة المهرجان التي تجسدت في استحضار تمثال "هيبونيا العنابية" بوصفه رمزاً حضارياً ممتداً.
وفي السياق ذاته، عبرت هدية خثير وهي كاتبة ومُؤلفة جزائرية عن "سعادتها بالتواجد في هذا المحفل من خلال مشروعها "هي والذاكرة" المستوحى من روايتها، والذي اختير ضمن قائمة المشاريع المستفيدة من المرافقة الفردية المتخصصة.
وترى هدية خثير في هذه التجربة فرصة حقيقية للتعلّم والتطوير والاقتراب من عالم المسرح، موضحةً أن نصفها ينطلق من الذاكرة والتراث والهوية لفتح حوار متجدد بين الماضي والحاضر، مؤكدةً أن انسجام مشروعها مع شعار "آفاق" الذي يعني بالنسبة إليها تجاوز أسر الماضي والانطلاق منه لصناعة رؤية جديدة تتجه نحو المستقبل، في تقاطع واضح مع فلسفة الدورة.
وأوضحت أن الذاكرة هي نقطة الانطلاق وأن التراث يمكن أن يتحول إلى مادة إبداعية نابضة تحمل الحكاية وتعيد صياغتها للجمهور، وتنسجم رؤيتها مع التوجه الاستراتيجي للدورة الساعية إلى نقل المرأة من حدود الأداء إلى فضاء الريادة بوصفها كاتبة ومخرجة وصاحبة مشروع.
ولفتت إلى أن منح المرأة هذه المساحة خطوة محورية، فهي لا تجسد الحكاية فحسب، بل قادرة على صناعتها أيضاً، كما تثمن انتقال المهرجان إلى الفضاءات المفتوحة، معتبرة أن امتداد المسرح إلى الشارع يمنحه قدرة أكبر على ملامسة نبض الجمهور مباشرة.
وخلال مشاركتها في برنامج "حاملات مشاريع", أكدت أنها تعمل على إحياء مشروعها "هي والذاكرة" فوق الخشبة، بعدما بدأ كرواية قبل أن تُحوّله إلى عمل مسرحي يتناول الذاكرة والهوية والمرأة والإنسان، لافتةً إلى أن المنتدى يمنحها فرصة حقيقية لتطوير مشروعها عبر المرافقة المتخصصة، وتعلّم تحويل الفكرة الأدبية إلى مشروع مسرحي متكامل، إلى جانب خوض تجربة جديدة ككاتبة تدخل عالم المسرح من بوابة الإبداع الحي.