مغربية توجه رسالة إنسانية للنساء عن طريق الفن
تجسد التجربة الفنية لثريا رزقي المرأة المغربية والأم لأربعة أبناء، نموذجاً للإصرار والسعي نحو تحقيق الذات، في تحد بارز للثورة على الأدوار التقليدية السائدة التي فرضها المجتمع على النساء.
رجاء خيرات
المغرب ـ اختارت ثريا رزقي، من مدينة سلا المغربية قرب الرباط، أن تواجه زمن جائحة كورونا بطريقتها الخاصة. ففي الوقت الذي استسلم فيه العالم لقيود الجائحة، كانت هي تدون يومياتها عبر لوحات فنية تصنعها من العقيق والسفيفة ومواد بسيطة تحيط بها. أسلوبها خطف قلوب كل من شاهد أعمالها، بدءاً من أسرتها التي لم تكن تتوقع أن تخفي موهبة فنية بهذا العمق.
في وقت كان العالم يعيد فيه ترتيب الأولويات والتخلي عن أشياء كانت تبدو أساسية، أعادت الستينية ثريا رزقي ترتيب يومياتها من خلال الانغماس في الذات وإخراج موهبة تفجرت كما تتفجر ينابيع المياه.
وعن هذه التجربة، تقول "قبل أكثر من خمس سنوات، أجبرنا على المكوث في بيوتنا بسبب الجائحة، كان الأمر معقداً بالنسبة لي. كنت أشعر بالملل، أخرجت مخزون العقيق والسفيفة وبدأت أشكل لوحات، مستلهمة مواضيعها من الجائحة في البداية، ثم انتقلت إلى مواضيع أخرى كانت دائماً تشغلني كالمرأة المغربية والطفولة وغيرهما".
القناعة التي تشكلت لدى ثريا رزقي تحولت إلى قوة دافعة جعلتها تروض الملل والعزلة. ورغم أن تلك العزلة لم تكن قاسية تماماً، فإن حسها المرهف حول ثقل اللحظات إلى فن نابض بكل ما يعتمل داخلها من مشاعر.
العزلة التي عاشتها كما تقول، دفعتها إلى التنقيب في كل ما كان يبدو بلا قيمة مثل قطع عقيق متناثرة، خيوط السفيفة، كرتون مهمل، وكل ما وقع بين يديها مصادفة. نزعت عنه الغبار، وبدأت تُعيد تشكيله، فتحولت المتلاشيات إلى مجسمات ودمى تنبض بالحياة. شيئاً فشيئاً، لم يعد الأمر مجرد قتل للوقت، بل صار لغة بصرية تعبر بها عن تجربة الحجر الصحي التي فرضت على الجميع.
الفن مشروع حياة
تؤمن ثريا رزقي أن الفن رسالة وأن داخل كل امرأة، مهما كانت مكانتها ووضعها، يرقد مشروع حياة يحتاج لمن ينتشله ويخرجه من رقعة مظلمة في مكامن النفس إلى النور.
التجربة التي عاشتها خلال فترة الحجر الصحي، دفعتها للتفكير في توسيع المشروع، لينتهي بها المطاف إلى إنشاء قناة خاصة تعلم من خلالها الأطفال صناعة الدمى وتحويل أشياء تبدو بلا قيمة إلى مجسمات ودمى ذات فائدة.
استطاعت أن تحول فنها من أسلوب اهتدت إليه للخروج من عزلتها إلى مشروع تربوي استقطب العديد من الأطفال الذين وجدوا في رفقتها عبر قناتها وسيلة لإنقاذهم من سطوة التكنولوجيا والهواتف الذكية، كما استطاعت بفضل الدمى التي ألبستها الزي المغربي أن تسلط الضوء على روافد الثقافة المغربية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، لباس تقليدي جبلي، أمازيغي، صحراوي.
شكلت اللوحات رسائل لكل محبيها وأقربائها، فتارة تشكل لوحة لحفيدتها الصغيرة لتعبر لها عن حبها واشتياقها لها، وتارة تشكل لوحات لتقول للعالم إنها لاتزال على قيد الحياة وأنها لم تفقد الأمل.
رسالة لكل النساء
شكلت تجربتها الفنية منعطفاً هاماً في حياتها، وهي الأم التي لم تكن يوماً تستكين لوضع تقليدي فرض عليها اجتماعياً، فهي بالإضافة إلى شغفها بالفن، تحب السفر والاطلاع.
في جعبتها الكثير لم ير النور بعد. أفكار كثيرة تريد أن تجسدها من خلال ما تبدعه، مكتفية بقطع كرتون وعقيق وسفيفة (خيوط تستعمل في حياكة القفطان المغربي). تؤمن بأن المرأة المغربية قوية ومتميزة، يكفي أن تمنح الفرص لكي تعبر عن نفسها في مختلف المجالات، سواء فنية أو غيرها.
القضايا التي تطرحها ثريا رزقي في أعمالها تعيد إلى الذاكرة روح الفن الفطري الذي ميّز تجربة الفنانة الشعبية طلال؛ ذلك الفن الذي قدم المرأة المغربية في صورتها الأصيلة قبل أن تتسلّل إليها تأثيرات ثقافات أخرى. هذا ما نجحت ثريا رزقي في تجسيده عبر الألوان وتفاصيل الزي التقليدي، حيث ترسم ببراءة طفلة وعمق امرأة ناضجة، لتوجه رسائل قوية لكل النساء، مهما اختلفت مواقعهن الاجتماعية. رسائلها تقول إن داخل كل امرأة مشروع إنساني ينتظر أن يُنتشل من العتمة ويدفع نحو النور.