الفن كمقاومة... قصة النساء اللواتي لم يستسلمن في باميان

رغم القيود الصارمة المفروضة على تعليم المرأة وأنشطتها في أفغانستان، تواصل نساء مدينة باميان الانخراط في مجالات التعليم والفنون، في خطوة باتت تُعد رمزاً للمقاومة والإصرار على المشاركة المجتمعية، وذلك على الرغم من التهديدات المستمرة من السلطات.

بهاران لهيب

باميان ـ شهدت السنوات الأخيرة في أفغانستان بروز الفن كرمز للنضال والمقاومة بالنسبة للمرأة، حيث تسخر النساء أبسط الفرص لإثبات وجودهن، ففي أزمة كابول وعدد من المدن يترد صدى أصوات النساء المضطهدات عبر أنشطة سرية تشمل دورات الاقتصاد المنزلي، تعليم اللغة الإنجليزية، الخياطة، الاحتجاجات المنزلية، نسج السجاد، وغيرها من المبادرات.

تشير التقارير إلى أن مدينة باميان تتميز بأجواء مختلفة عن باقي المناطق، إذ تضطر النساء والفتيات إلى السير لساعات طويلة للوصول إلى الدورات التدريبية العامة، ورغم ما يواجههن من تهديدات وعنف وقمع يمارسه بعض المتشددين ضد حضورهن في المراكز التعليمية أو ظهورهن في وسائل الإعلام، فإن نساء باميان يواصلن العمل والمشاركة الفعالة في المجتمع، رافضات الاستسلام للقيود المفروضة عليهن.

في يومٍ ثلجي قارس بمحافظة باميان، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، زارنا مركز "قلم" للفنون، وهو مركز صغير لا يضم سوى غرفتين عند الوصول، استقبلت شكيبا علي الوفد بحفاوة، فيما كانت ثلاثة من عناصر جماعة "الأمر بالمعروف" متواجدين داخل المركز.

انتظر الفريق حتى غادر العناصر الدورة، بينما واصلت الطالبات والمعلمات في الغرفة المجاورة أنشطتهن التعليمية بصمت، وخلال وجودهم شوهد عناصر الجماعة يتحدثون بغضب إلى شقيق شكيبا علي، وهو فتى صغير، في مشهد عكس حالة التوتر والضغط الذي تواجهه النساء في المدينة، وقد بدا من حركاتهم أن الغضب كان شديداً، ما أثار تساؤلات حول "الذنب الكبير" الذي ارتكبته النساء ليستحقن هذا القدر من التوبيخ.

وأكدت شكيبا علي، المسؤولة في مركز "قلم" للفنون بمدينة باميان، أن النساء هناك لا يلتزمن بالتعليمات الصادرة عن جماعة "الأمر بالمعروف"، بما في ذلك قواعد اللباس "إن الجماعة تلجأ إلى الشتائم والتحذيرات بسبب رفض النساء لهذه القيود، إحدى الطالبات تعرضت للملاحقة بسبب ملابسها، وعندما اكتشفوا التحاقها بالدورة التدريبية، حضروا إلى المركز ووبخوا القائمين عليه، هذا السلوك أصبح مألوفاً بالنسبة لنا، لقد اعتدنا على تصرفاتهم، فليقولوا ما يشاؤون، وسأواصل عملي مع طلابي".

وأشارت إلى أن شقيقها يدرج اسمه في الإجراءات الرسمية لدى طالبان باعتباره رئيساً للمركز، رغم أنها هي من أنشأته وتديره فعلياً، وذلك بسبب اشتراط السلطات أن يكون الرجل هو المسؤول الرسمي.

وخلال إحدى الحصص الدراسية، حضرت فتاة في العاشرة من عمرها بعد أن طاردها سكان الحي بسبب ملابسها، حيث دخلت الصف وهي ترتجف وتردد أنها لجأت إلى المركز هرباً من الملاحقة، وفي مشهد تضامني احتضنت شكيبا علي ومعها الطفلة زينب حسيني (12 عاماً)، مؤكدات لها أنهن سيواصلن حماية الطالبات ومنع أي تدخل خارجي في الدروس.

ورغم أجواء الخوف التي سادت القاعة عقب الحادثة، شددت شكيبا علي ومعلمتان أخريان على مواصلة العمل والتعليم، مؤكّدات أن القمع لن يثنيهن عن الطريق الذي اخترنه لخدمة المجتمع.

ويبدو مركز "قلم" للفنون في باميان للوهلة الأولى مجرد غرفتين متواضعتين، لكنه في الواقع يمثل حصناً تدافع فيه النساء عن حقهن في التعلم والوجود، ففي برد المدينة القارس تتحول مدفأة صغيرة إلى مصدر للأمل إذ تمنح الفتيات شعوراً بالاستمرار وعدم الانطفاء، وفي بلد أصبح فيه استبعاد النساء سياسة رسمية، يشكل حضورهن في غرفة طينية خلف أبواب نصف مغلقة انتصاراً بحد ذاته.