كاتبة مغربية توثق في روايتها هشاشة المرأة ورحلة إعادة بناء الذات

فتحت الكاتبة المغربية فاطمة الزهراء محفوظ في روايتها الجديدة "نجوت وحدي" نقاشاً حول موقع المرأة داخل المجتمع، معتبرة أن النساء لا زلن تواجهن قوالب نمطية تنتقص من قدرهن العاطفي والنفسي.

حنان حارت

المغرب ـ مزجت الروائية فاطمة الزهراء محفوظ في جديدها "نجوت وحدي" بين الخيال والواقع، وطرحت من خلاله تجربة نسوية تتجاوز البوح الفردي، مسلطة الضوء على الجرح المبكر، والعنف العاطفي غير المرئي والتعلق المؤذي، باعتبارها امتدادات لبنى اجتماعية تضع المرأة أحياناً في موقع الضحية الدائمة، وتتتبع سيرة امرأة نشأت في الهامش، مثقلة بالفقر واليتم العاطفي وغياب الاحتواء الأسري، من طفولة قاسية في البادية إلى تجربة حب مدمرة كشفت هشاشتها الداخلية رغم نجاحها الاجتماعي والمهني.

لا تقدم الرواية الحب كخلاص، بل تكشف كيف يمكن لعلاقة قائمة على التلاعب العاطفي والنرجسية أن تعيد إنتاج جراح الطفولة، وتدفع المرأة إلى فقدان ذاتها باسم الحاجة إلى الأمان ومع ذلك، لا يقع النص في خطاب الشفقة أو الإدانة المبسطة، بل يوسع مساءلة البنى الاجتماعية والنفسية التي تجعل النساء أكثر عرضة للتعلق، كما تفتح الرواية نقاشاً حول العنف العاطفي، النرجسية، تمثلات الحب، وتجربة النجاة الفردية للنساء.

 

مسار النجاة وإعادة بناء الذات في التجربة النسوية

قالت الكاتبة والروائية المغربية زهرة محفوظ، إن عملها الجديد المعنون بـ "نجوت وحدي" هو سيرة روائية تمزج بين الخيال والواقع، بحيث تتقاسم تجربة نسوية تتجاوز حدود الاعتراف الذاتي إلى تقاسم اجتماعي لتجارب نساء عشن في سياقات مختلفة داخل المجتمع.

وترى أن الكتابة النسوية ليست مجرد بوح فردي أو كتابة للذات، بل هي مساءلة اجتماعية لتجربة طبقة من النساء عشن هشاشة عاطفية ونفسية واجتماعية، مضيفة أن هذا هو الدور الأساسي الذي سعت إلى تجسيده في هذا العمل، مؤكدة أن النجاة في الرواية لا تقدم باعتبارها انتصاراً بطولياً، بل باعتبارها مساراً لإعادة بناء الذات.

وتضيف أن النجاة تعني أولاً التعايش مع الألم، ثم إدراك الحياة بعمق من خلاله، معتبرة أن الانتقال من وضعية "الضحية الصامتة" إلى موقع الفاعلة هو جوهر هذا المسار؛ وفي هذا السياق، استحضرت مقولة للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي مفادها أن الألم مصدر كل وعي عميق، في إشارة إلى أن المعاناة قد تكون مدخلاً لإدراك الحقائق الأعمق.

ولفتت زهرة محفوظ إلى أن تجاوز الألم لا يتم دون المرور بمرحلة الإحباط، التي تعتبرها خطوة أولى قبل بلوغ القمة، مشددة على أن النجاة ليست نهاية القصة بل بدايتها، ومن هنا تنطلق تجربتها الشخصية وتجربة نساء كثيرات في مجتمع ما زالت فيه تصورات نمطية تنتقص من المرأة وتضعها في قوالب جاهزة، ما يفرض، بحسب تعبيرها، ضرورة الكتابة وكسر الحواجز من أجل بلوغ النجاة.

 

العنف العاطفي وجراح الطفولة في مسار النجاة

وفي الرواية، تتناول الكاتبة الجرح العاطفي والطفولة البائسة باعتبارهما مؤسسين للألم اللاحق، موضحة أن الحرمان المبكر قد يقود إلى علاقات عاطفية غير متوازنة، حيث تسعى المرأة إلى التعلق بأشخاص لا يناسبونها أو إلى علاقات قائمة على السيطرة، معتبرة أن الماضي غير المؤسس بشكل سليم يظل متحكماً في الحاضر، وأن التعلق المرضي ليس سوى امتداد لفقدان مبكر لم يُعالج.

كما تتطرق الرواية إلى العنف العاطفي الذي تصفه بأنه عنف خفي وصامت في المجتمع، لا يخلف آثاراً جسدية ظاهرة، لكنه يترك أذى نفسياً عميقاً، وغالباً ما يتخفى خلف شعارات الخوف أو الغيرة أو حتى الاهتمام.

وترى زهرة محفوظ أن وضع المرأة في موقع الضحية بشكل دائم يسهم بشكل غير مباشر في تكريس هذا الألم، داعية إلى نقاش واع حول سبل إنقاذ النساء من هذا "البركان الصامت" الذي قد يحولهن إلى أجساد بلا روح.

وأشارت إلى أن الاستقلال الاقتصادي والمهني، رغم أهميته، يظل شرطاً ضرورياً غير كاف لتحقيق التوازن، إذ لا بد من دعم نفسي ومؤسسات جماعية للتوعية والتحسيس، خاصة أن النساء يتعرضن، بحسب قولها، لعنف غير مرئي في المقام الأول، وتوجد كثيرات متزوجات لكنهن غير سعيدات بسبب الخوف من المجتمع أو من البوح بما يعشنه من ضغط نفسي.

وأكدت أن الكتابة النسوية لا تعني تفاضلاً بين المرأة والرجل، ولا تحتكر المرأة وحدها التعبير عن التجربة النسوية، فالرجل بدوره قادر على ذلك، غير أن المرأة – في نظرها – أقدر على نقل التفاصيل والجزئيات الدقيقة لهذه التجربة بحكم معايشتها لها، مشددة على أن الكتابة ليست ميلاداً جديداً ولا انتصاراً نهائياً، بل هي تخط ومرحلة لإعادة بناء الذات والبدء من جديد.

وأكدت على أن الكتابة كانت بالنسبة إليها مساحة للتفكير وبداية للشفاء، معلنة "نعم، أنا نجوت"، لكنها استدركت بأن كثيرات لم يشفين بعد، وأن عملها موجه إليهن ليكون ضوء وأمل، موجهة رسالة إلى كل قارئ، ذكراً كان أو أنثى، مفادها أن العلاج والشفاء والنجاة ممكنة مهما طال الطريق.

وفي ختام حديثها شددت الكاتبة والروائية المغربية زهرة محفوظ على أن الكتابة كانت بالنسبة لها صرخة تعب وتحرر وشفاء، مرددة المقولة التي تؤمن بها "أكتب لأتحرر".