بين التمثيل والإخراج… مسيرة فنانة تبحث عن ذاتها عبر الفن
بدأت دميانة سمير عبده رحلتها الفنية منذ طفولتها بين المسرح والسينما، متجاوزة تحديات عائلية ومجتمعية لتثبت حضورها كممثلة ومخرجة، وتفتح لنفسها طريقاً جديداً في مسرح الطفل والعلاج بالفن.
إيمان سمير علي
مصر ـ تمكنت دميانة سمير عبده، ابنة صعيد مصر، البالغة من العمر 32 عاماً، من شق طريقها في عالم الفن بإصرار لافت، متحدية القيود المجتمعية والصعوبات التي تواجه الفتيات في هذا المجال، لتؤكد أن الموهبة حين تقترن بالعزيمة قادرة على فرض حضورها.
بدأت دميانة سمير عبده علاقتها بالمسرح منذ الطفولة، حيث كانت تمارس التمثيل بشكل عفوي داخل المنزل، قبل أن تخطو أولى خطواتها الجادة عبر المسرح الكنسي عام 2006، مقدمة اسكتشات ذات طابع ديني واجتماعي، واستمرت في هذا المجال حتى عام 2017.
تحول مهم في مسيرتها جاء عندما رشحتها إحدى صديقاتها للانضمام إلى "مؤسسة فكرة"، التي قدمت مشروع "بيانولا" لصناعة الأفلام القصيرة. هناك، التحقت بورشة تمثيل وشاركت في إنتاج عدد من الأفلام القصيرة، ممثلة في اثنين منها، ما أتاح لها الاحتكاك بتجارب مختلفة في المجال السينمائي.
ومن أجل تطوير موهبتها التحقت بورشة سينمائية في الإسكندرية عام 2023. وعلى مدار أسبوع، خاضت تجربة مكثفة في تعلم أساسيات التصوير وصناعة الأفلام، لتعود بعدها وتخوض أولى تجاربها الإخراجية عام 2024 بفيلم قصير جمعها بصديقة ومصور.
وفي بداية عام 2025، شاركت في ورشة جديدة، حيث لاقى فيلمها استحسان القائمين عليها، ما دفعهم إلى إعادة إنتاجه، كما شاركت في ورش المهرجان الدولي لأفلام المرأة، وأخرجت فيلماً آخر من المقرر عرضه ضمن فعاليات مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.
وعلى صعيد المسرح، التحقت دميانة سمير عبده بقصور الثقافة عام 2018 بعد تجربتها في المسرح الكنسي، وقدمت عروضاً متعددة في عدد من المواقع بأسيوط، من بينها قصر ثقافة أسيوط، وأحمد بهاء الدين، وأبنوب، وديروط، ومنفلوط، حيث تنقلت بين هذه الأماكن للمشاركة في العروض المسرحية.
وفي عام 2023، حصلت على جائزة أفضل ممثلة ثانية على مستوى نوادي المسرح، وهو ما شكل دافع قوي لها نحو خوض تجربة الإخراج المسرحي. ورُشحت لاحقاً لورشة ضمن مشروع "ابدأ حلمك" بالقاهرة، حيث تلقت تدريباً على الإخراج المسرحي، وقدمت عرضاً قصيراً نال إعجاب المدربين وتم تنفيذه ضمن مشاريع توعوية في القرى.
حالياً، قدمت عرضين في مسرح الطفل كمخرجة، حيث تم تصعيد أحدهما للسفر قبل أن تحول ظروف دون ذلك، بينما حصد العرض الثاني جائزة اللجنة الخاصة لأفضل عمل جماعي.
تحديات الفن المسرحي
ورغم النجاحات، تؤكد دميانة سمير عبده أن طريق الإخراج في صعيد مصر لا يزال محفوفاً بالتحديات، خاصة للفتيات، في ظل بعض الموروثات الاجتماعية التي ترى عمل المرأة في المسرح أمراً غير مقبول. لكنها تشير إلى تحسن ملحوظ في السنوات الأخيرة، مع زيادة عدد الفتيات المشاركات في الأنشطة المسرحية، سواء في الجامعات أو المهرجانات، رغم بقاء عدد المخرجات محدوداً.
وتوضح أن الإخراج يتطلب جهداً مضاعفاً مقارنة بالتمثيل، نظراً لمسؤولياته المتشعبة التي تشمل إدارة الأداء والديكور والميزانية، إلى جانب الجوانب التنظيمية. ومع ذلك، تؤمن بقدرة المرأة على النجاح في هذا المجال، مستشهدة بحصول فتيات على جوائز في عروض مسرحية متميزة.
تشير دميانة سمير عبده إلى أن رحلتها لم تخلُ من عقبات صعبة ومتعددة المستويات، فقد واجهت في البداية رفضاً شديداً من أسرتها لفكرة التمثيل خارج إطار المسرح الكنسي، حيث كان مسموحاً لها بممارسة الفن داخل الكنيسة فقط، أما خارجه فكان مرفوضاً تماماً. وقد أدى ذلك إلى صراع طويل استمر نحو ثلاث سنوات.
أما العقبة الأعمق، فكانت صراعها الداخلي مع ذاتها، إذ كانت تشعر بتناقض بين دراستها في كلية العلوم، وما يُتوقع منها أن تسلكه من مسار مهني تقليدي، وبين شغفها الحقيقي بالفن. وظلت لفترة طويلة تتساءل عن هويتها وما الذي تريده حقاً من الحياة، وما إذا كان هذا الطريق هو ما ينبغي أن تسلكه.
كما واجهت تحدياً آخر تمثل في سعيها لإثبات نفسها داخل الوسط الثقافي، حيث كانت تحاول أن تؤكد للآخرين أنها فنانة موهوبة يمكن الاعتماد عليها، وأن لديها من الأفكار والطموحات ما يؤهلها لتقديم أعمال متميزة، وليس مجرد البقاء في مكانها دون تطور.
ولم تقتصر الصعوبات على الأسرة أو الصراع الداخلي، بل امتدت إلى بعض المحيطين بها من خارج العائلة، ممن استغربوا خروجها إلى المجال الفني، واعتبروا ذلك أمراً غير مألوف. بل إن بعض أصدقائها نصحوها بالاكتفاء بوظيفتها الأساسية، وعدم الاستمرار في هذا المجال.
أما عن طموحاتها المستقبلية، فتشير إلى أن حلم الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية لم يتحقق بسبب ظروف عائلية، إلا أن توجهها الحالي نحو مسرح الطفل فتح أمامها أفقاً جديداً، يتمثل في استخدام المسرح كوسيلة للعلاج بالفن.
وترى دميانة سمير عبده أن المسرح يمكن أن يكون أداة فعالة لدعم الأطفال نفسياً، خاصة من يعانون من الخجل أو العزلة، حيث يمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم وبناء الثقة والتواصل، مؤكدة أن هذا الحلم بات الأقرب إلى قلبها، وتسعى لتحقيقه خلال المرحلة المقبلة.