بأسلاك الحديد توثّق ليلى سلطاني آلام نساء شرق كردستان

التاريخ حافل بالغزو والاضطهاد، ومن غير المرأة يحافظ على التاريخ، فالنساء لا تستسلمن للألم بل تسعين بكافة الوسائل لتأريخه ليكون عبرة للقادمين.

شلير كويي

كويه ـ تاريخ البشرية مليء بالحروب والتهجير والجراح، غير أن النساء في كافة المجتمعات، واللواتي كنّ دائماً الأكثر تضرراً من هذه الظروف القاسية، هن أيضاً كن أكثر من عبر عن معاناته عبر الفن.

تدرك النساء أن الفن ليس وسيلة لتقديم الجمال فحسب، بل كثيراً ما يتحول إلى أداة للمواجهة والصمود في وجه الظلم، وإلى وسيلة لحفظ الذاكرة التاريخية من النسيان كذلك.

الفنانة التشكيلية ليلى صوفي سلطاني من شرق كردستان توظف مهارتها الفنية وأسلاك الحديد لتجسيد تاريخ مثقل بالجراح، ومن خلال أعمالها، لا تنقل إلى العالم صرخات الألم ومآسي المرأة الكردية هناك فحسب، بل تسهم أيضاً في حفظ قصص أشخاص عاشوا ويلات الحروب.

وتقول عن تجربتها في هذا المجال "منذ عدة سنوات أعمل على تماثيل باستخدام الأسلاك المعدنية، تخليداً لذكرى أولئك الذين كانوا رموزاً للمجتمع وصنّاعاً للثورات، والذين تعرّضوا للاعتقال والتعذيب والإعدام على يد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما أنجزتُ منحوتات لعدد من الذين استُشهدوا في إقليم كردستان إثر استهدافهم بالطائرات المسيّرة التابعة للنظام الإيراني".

تبين أيضاً أن أعمالها "ليست إلا جزء صغير من الإبادة التي تعرّض لها الكرد في شرق كردستان"، وأن الهدف منها هو "إبقاء أسماء هؤلاء الأشخاص حيّة وتعريف العالم بالجرائم التي ارتكبها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحق الكرد".

وتأمل ليلى سلطاني "أن يأتي يوم أتمكن فيه من إنجاز تمثال للحرية، فرغم محدودية الإمكانيات المتاحة لي، فإنني أحاول من خلال هذه الأعمال البسيطة إيصال أكبر رسالة ممكنة".

وترى أن "معاناة النساء أكبر، ولذلك يجب أن تكون منحوتات النساء أكثر"، وتوضح ذلك بالقول "أرغب من خلال هذه الأعمال في إيصال رسالتي ونقل معاناة النساء، لأن المرأة تتحمل نصيباً أكبر من المآسي وقدّمت تضحيات جسيمة، سواء بسبب ظروف الوطن أو بسبب العادات والتقاليد، لذلك المرأة ضحية مرتين، وأشعر أن كل ما أبذله لإيصال هذه المعاناة لا يزال محدوداً، ولهذا يجب أن يكون هناك عدد أكبر من المنحوتات التي تجسد النساء وقصصهن".

 

تماثيل وقصص

تركز تصاميم ليلى سلطاني على شعبها الكردي، وما عايشه طيلة السنوات الـ 110، هذه السنوات المليئة كما تؤكد بالاضطرابات، وحتى إن وُجد الاستقرار في جزء من كردستان، فإن جزءاً آخر يبقى يعاني من الاضطراب والتشرد والألم، لذلك "حاولت أن أوثق كل جرح وقصة كي تبقى حيّة في الذاكرة".

خلال حديثها تشير الفنانة إلى عدة تماثيل وتشرح قصتها "من بين أعمالي تمثال لبيان وابنها الذي كان ينتظر عودة والده بعد اعتقاله وإعدامه، وكانت الأم ترفض قص شعر ابنها إلى أن يعود والده، لكن بعد إعدامه اضطرت إلى قص شعره، كما أنجزت منحوتة لغزال مولان التي استشهدت مؤخراً إثر هجوم بطائرة مسيّرة تابعة للنظام الإيراني على إقليم كردستان، ولدي أيضاً منحوتة لـِ ليلى قاسم، تلك المرأة التي استطاعت وحدها أن تقف في وجه نظام صدام حسين، كما أنجزت منحوتات للكولبر (حمّالي الحدود) وللنشطاء البيئيين الذين ضحّوا بحياتهم دفاعاً عن بيئة مدنهم، لذلك فإن كل منحوتة من منحوتاتي تحمل قصة حقيقية، وأصحابها رموز ينبغي أن تبقى ذكراهم حاضرة، فلكل واحد منهم حكايته".

وفي ختام حديثها قالت ليلى سلطاني "لدي مشاريع أخرى تتعلق بحلبجة ومناطق أخرى سأنجزها في المستقبل، هذه الأعمال ليست للبيع، حيث أقوم بعرضها في المعارض، أريد أن تبقى هذه الأسماء حيّة وأن تحظى بالدعم والحماية، لكي يرى العالم حجم المعاناة التي مررنا بها، فكل امرأة كردية تحمل قصة مليئة بالألم، ولذلك ليس من الضروري أن تكوني نحاتة أو رسامة أو كاتبة حتى تروي هذه القصص؛ يمكنكِ أن تنقليها بأي وسيلة كانت، حتى لو كان ذلك بصوتك فقط، وألا تدعيها تموت، فنحن نحمل الكثير من الجراح والآلام التي لا تندمل".

تبعث الفنانة التشكيلية ليلى صوفي سلطاني رسالة للنساء وتقول فيها "إنكنّ كثيراً ما تخضن معارك وتواجهن العنف، لكن لا تتوقفن عن النضال من أجل حقوقكن، ولا تخشين المطالبة بها، وإذا كان لا بد من تحمّل الألم، فليكن في سبيل نيل حقوقكن، فلا ينبغي لنا أن نتوقف، وعلى كل امرأة أن تترك بصمتها وأثرها الخاص، وأن تترك شيئاً يبقى حياً بعدها".