جدل تمثيل المرأة في الجزائر… بين المناصفة وتحديات الواقع السياسي

يثير تخفيض تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية جدلاً واسعاً في الجزائر، بين من يراه تراجعاً عن مكاسب سياسية مهمة، ومن يعتبره ضرورة فرضتها صعوبات ميدانية كشفت هشاشة التأهيل السياسي للنساء داخل الأحزاب.

رابعة خريص

الجزائر ـ منذ الإعلان عن التعديلات التي طالت قانون الانتخابات، تصاعد الجدل بين الفاعلات السياسيات والجمعيات النسوية الحقوقية بشأن تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة. ويعود ذلك إلى قرار تخفيض نسبة حضور النساء في قوائم الترشيحات من النصف إلى الثلث، مع إضافة حكم انتقالي يعفي القوائم التي تعجز عن استيفاء هذا الشرط خلال أول انتخابات برلمانية مقررة يوم الخميس 2 تموز/يوليو المقبل، وكذلك الانتخابات المحلية التي ستجرى بعد صدور هذا القانون.

في خضم النقاشات القائمة حالياً حول تقليص أو توسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة يبرز سؤال جوهري حول تداعيات تخفيض نسبة تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية من النصف إلى الثلث؟


خلفيات وعوامل

تقول وداد ليشاني، وهي ناشطة سياسية إن "هذا الإجراء يشكل تراجعاً ملحوظاً عن المكاسب السابقة، ويترتب عنه تقليص حضور المرأة في المجالس المنتخبة لاسيما وأن التعديل السالف الذكر أرفق بحكم انتقالي يشمل إعفاء القوائم التي تعجز عن تحقيق هذا الشرط في الانتخابات القادمة سواء البرلمانية أو البلدية".

وحول الخلفيات التي تقف وراء مقترح تقليص نسبة تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية إلى الثلث، تشير إلى أن "القرار يعود لعدة اعتبارات واقعية ظهرت خلال تطبيق القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات 2021 من أبرزها محاولة تخفيف القيود على الأحزاب في تشكيل القوائم وصعوبة إيجاد مترشحات في بعض المخاوف إذ لا يزال المجتمع في بعض المناطق ينظر إلى العمل السياسي على أنه مجال مخصص للرجال نتيجة تأثير العادات والتقاليد وبعض المعتقدات الاجتماعية".

ولفتت إلى "الصعوبات الكبيرة التي وجهتها الأحزاب والقوائم في استقطاب النساء لا سيما الشابات اللواتي لم يسبق لهن خوض تجربة العمل السياسي حيث يسيطر عليهن التخوف من المشاركة في الانتخابات أو الانخراط في النشاط الحزبي".

وتؤكد وداد ليشاني أن "التجربة الميدانية كشفت أن فرض المناصفة بشكل إلزامي دون وجود قاعدة نسوية سياسية مهيأة ومكونة قد يؤدي إلى ترشيحات شكلية لا تحقق الهدف الحقيقي من إشراك المرأة في الحياة السياسية". وخلاصة القول إن التعديل الجديد لقانون الانتخاب جاء ليمنح مرونة أكبر للأحزاب والقوائم.

وعرفت نسبة تمثيل النساء في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان الجزائري) تراجعاً ملحوظاً في الانتخابات البرلمانية التي تم تنظيمها في 12 حزيران/يونيو 2021، إذ بلغت 8 بالمائة فقط من إجمالي المقاعد، أي ما يعادل 34 مقعداً فقط وذلك بعد أن كانت النسبة تتجاوز 30 بالمائة سابقاً بفضل نظام الكوتا.


من نظام الكوتا إلى المناصفة

وبناءً على تجربتها في الميدان، تؤكد أن "الإشكال الحقيقي الذي ينبغي معالجته في الساحة السياسية الجزائرية لا يكمن في رفع أو خفض نسبة تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة بل في ضمان أن تكون كل امرأة تصل إلى موقع القرار سواء في الحكومة، البرلمان أو المناصب العليا قادرة فعلاً على ممارسة دورها بكفاءة ومسؤولية ولن يحصل هذا إلا عن طريق الاستثمار الحقيقي في التدريب السياسي".

واستعرضت وداد ليشاني مسار تطور المشاركة السياسية للمرأة في الجزائر، موضحة أن هذا المسار انطلق مع اعتماد نظام الكوتا النسائية الذي طُبق لأول مرة بعد التعديل الدستوري لسنة 2008. فقد نصت المادة 31 مكرر من دستور 1996 على ضمان حق المرأة في التمثيل داخل المجالس المنتخبة، وتبع ذلك صدور القانون العضوي 12-03 الذي حدد آليات توسيع حضور النساء في هذه المجالس.

وتشير إلى أن نظام الكوتا حمل مزايا وأخرى سلبية، إلا أن من أبرز إيجابياته كسر الحاجز النفسي لدى كثير من النساء اللواتي ترددن سابقاً في دخول المعترك السياسي بسبب نظرة المجتمع والأسرة والعادات المتجذرة في التنشئة التقليدية، كما ساهم في تعزيز تقبل المجتمع لمشاركة المرأة السياسية، وألزم الأحزاب بضم نسبة محددة من النساء في قوائمها، مما أسهم في تقليص الفجوة بين الجنسين داخل المجال السياسي.

وبفضل نظام الكوتا أو المحاصصة، لفتت إلى أن "الجزائر تصدرت المرتبة الأولى عربياً في مجال نظام المحاصصة النسائية في البرلمان والمجالس المنتخبة وفي تلك الفترة بالتحديد قفزت نسبة التمثيل إلى أكثر من 31 بالمائة عام 2012 محتلة بذلك المرتبة 25 عالمياً".

ولقد أبانت نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدتها الجزائر في 10 أيار/مايو 2012 أن تطبيق القانون العضوي المتعلق بتوسيع مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة أفضى إلى ارتفاع معتبر في عدد النساء في المجلس الشعبي الوطني حيث بلغ عددهن 145 من إجمالي 462 نائباً وهو ما يقارب ثلث أعضاءه الأمر الذي جعل المرأة الجزائرية تحقق قفزة نوعية مقارنة بديمقراطيات عريقة.

وتوضح أن نظام الكوتا النسائية دفع الأحزاب آنذاك إلى إدراج نسبة محددة من النساء في قوائم المرشحين، ما جعل كثيراً منها يزج بالنساء في الواجهة بشكل ظرفي أو شكلي، دون توفير تدريب سياسي حقيقي أو مرافقة ميدانية فعالة.

وتضيف أن بعض النساء اللواتي أُدرجت أسماؤهن في القوائم الانتخابية خلال تلك الفترة لم تكن لديهن الكفاءة السياسية اللازمة، مما أدى إلى إطلاق تسميات مختلفة على البرلمان المنتخب بين عامي 2012 و2017، وهي تفضل عدم ذكرها، مشددة على أن نظام الكوتا يجب ألا يتحول إلى غاية بحد ذاته، بل أن يكون وسيلة حقيقية لترقية الحقوق السياسية للمرأة وتمكينها الفعلي.

ولهذه الأسباب، تقول وداد ليشاني إنه "تم الانتقال من نظام الحصص إلى مبدأ المناصفة في ظل التعديل الدستوري لسنة 2020 بصدور الأمر رقم 21 ـ 01 مع إدراج أحكام انتقالية تسمح بتخفيض نسبة تمثيل النساء في حال تعذر تحقيقها في الانتخابات البرلمانية التي جرت 2021 والانتخابات البلدية التي لحقتها وهو ما أثر بشكل كبير على تواجد النساء في المجالس المنتخبة وتراجعت بذلك الجزائر في الترتيب على المستوى العربي والدولي".

وبناءً على هذا المسار، تستخلص نتيجة مفادها "لا يجب أن ينظر إلى المرأة كصورة يتم استعمالها من أجل ملئ القوائم الانتخابية فقط بل يجب أن ينظر لها كسياسية مؤهلة ففي غياب التدريب السياسي والدعم الحزبي الحقيقي تتحول بعض الترشيحات إلى مجرد استجابة شكلية للقوانين التي تصدر بين الحين والآخر دون أي تمكين فعلي للمرأة من أداء دورها التشريعي والرقابي"، والأمر المؤسف على حد قولها أن "ضعف الأحزاب واقتصارها على العمل في فترة الانتخابات، وغياب برامج التدريب ينعكس سلباً على جودة الأداء داخل المؤسسات المنتخبة".


تأثيرات العشائرية وغياب الدعم المالي

وسلطت الضوء على نقطة مهمة وهي أن قانون الانتخابات الحالي ينص على منح إعانات مالية مباشرة للقوائم المستقلة التي يقودها شباب تقل أعمارهم عن 40 عاماً للمساهمة في تمويل حملاتهم الانتخابية، متسائلة "لماذا تم استثناء المرأة من هذه الإعانات؟".

كذلك ركزت على عامل آخر يحول دون تواجد النساء في الساحة السياسية وهو "العشائرية"، وتقول إن "المرأة عادة لا تستطيع الترشح دون الحصول على موافقة شيخ العشيرة، وهناك عائق آخر وهو أن بعض المترشحين يتم انتخابهم بناء على الانتماء العائلي أو العلاقات الشخصية، بغض النظر عن الكفاءة، حيث يتحول التصويت إلى ولاء للعشيرة بدل أن يكون اختياراً مبنياً على البرامج والقدرات والكفاءة".

وتختتم وداد ليشاني حديثها قائلة إنه "على الرغم من كل هذه الصعوبات، يبقى الإيمان بضرورة مشاركة المرأة والشباب في العمل السياسي هو الدافع للاستمرار، لأن التغيير لا يأتي إلا بالمحاولة والصبر والخبرة والمسؤولية".