نساء كويه يخضن في الجبال رحلةً مليئة بالحياة

في جبال كويه بإقليم جنوب كردستان، لا تبدو الرحلة مجرد نزهة عابرة، ولا يختزل تسلق الجبال في تحدٍ رياضي فحسب؛ بل أصبح بالنسبة إلى عشرات النساء مساحة لاكتشاف الذات، واستعادة الطاقة، وبناء الصداقة، والخروج من روتين الحياة اليومية.

شلير كويي

كويه ـ لطالما عرفت نساء كويه بحضورهن الفاعل في مجالات متعددة، واليوم يثبتن مرة أخرى أن الجبال يمكن أن تكون طريقاً جديداً نحو النشاط والحياة. فمجموعة من النساء اجتمعن على حب الطبيعة والمغامرة، وانطلقن في رحلات تسلق شملت معظم القمم والجبال في كردستان.

تُعد كويه بإقليم جنوب كردستان، بحكم موقعها الجغرافي وطبيعتها الجبلية، بيئة مناسبة لرياضة تسلق الجبال، إذ تضم عدداً من الفرق والمجموعات المتخصصة في هذا المجال، بينها مجموعتان مخصصتان للنساء. ومن أبرزها مجموعة تسلق جبال أوسكار، التي يبلغ عدد عضواتها نحو 450 امرأة، وتوفر لهن مساحة لممارسة الرياضة والاستمتاع بالطبيعة وبناء علاقات اجتماعية متينة.

 

الجبل... صحة وصداقة وراحة نفسية

خالدة صابر، وهي متقاعدة وعضوة ناشطة في "مجموعة نساء أوسكار"، وجدت في تسلق الجبال حياة جديدة بعد التقاعد. وتتحدث عن إحدى رحلاتها إلى كهف سناوة، الواقع في قرية سناوة، وسط طبيعة غنية بالبساتين وأشجار التين.

وتقول إن الوصول إلى الكهف يستغرق نحو ساعة من المشي والصعود التدريجي، مشيرة إلى أن المكان يُعرف أيضاً باسم كهف "ثورة أيلول"، وقد استُخدم في السابق كمستشفى، قبل أن يتحول اليوم إلى مقصد لمحبي الطبيعة وتسلق الجبال، من النساء والرجال على حد سواء.

وأوضحت أن علاقتها بتسلق الجبال بدأت قبل ثلاث سنوات، بعد أن حالت ظروف العمل سابقاً دون مشاركتها في الرحلات "بعد تقاعدي بدأت ممارسة تسلق الجبال، والآن أشارك في جميع الرحلات. هذه الرياضة مهمة جداً لصحتنا النفسية والجسدية، فهي تمنحنا السعادة وتجدد طاقتنا. لذلك أشكر المشرفات على مجموعة أوسكار، لأنهن يجمعن النساء ويأخذننا إلى أماكن مختلفة".

وترى خالدة صابر أن المجموعة تجاوزت كونها مجرد فريق للرحلات، وأصبحت بالنسبة إلى كثير من النساء مساحة اجتماعية تشبه البيت "الكثير من النساء لا يجدن من يصطحبهن في الرحلات، ولذلك أصبحت مجموعة أوسكار بمثابة بيت لنا".

 

450 امرأة... والقمم لا تزال مفتوحة

من جهتها، تقول نيكار حمد، المشرفة على مجموعة تسلق الجبال في منظمة أوسكار، إن المجموعة تأسست بهدف تطوير قدرات النساء في مدينة كويه وتعزيز حضورهن في الأنشطة الاجتماعية والرياضية.

وأشارت إلى أن عدد النساء المنضمات إلى المجموعة وصل إلى نحو 450 امرأة، شاركن في رحلات ترفيهية ورياضية شملت مناطق واسعة من إقليم جنوب كردستان "تأسست هذه المجموعة بهدف تطوير قدرات النساء في مدينة كويه. ومنذ انطلاق المجموعة، انضمت إلينا مئات النساء، ووصل عددنا اليوم إلى نحو 450 امرأة. نشارك معاً في الرحلات والترفيه وتسلق الجبال، وقد وصلنا إلى معظم قمم كردستان".

وتذكر أن عضوات المجموعة تسلقن جبالاً وقمماً عدة، من بينها هلكورد وكوسرت، إضافة إلى العديد من الجبال المحيطة بكويه ومناطق أخرى من إقليم جنوب كردستان.

ولا تقتصر أنشطة المجموعة على تسلق الجبال، إذ تنظم أيضاً رحلات داخل إقليم جنوب كردستان وخارجها، وصولاً إلى مناطق مختلفة من العراق، مشيرةً إلى أن عدد القمم التي وصلن إليها يصعب حصره، لأن الرحلات تتغير وفقاً للمواسم والظروف الطبيعية.

 

الطبيعة تجمعهن والرحلة تصنع الصداقة

لا ترى نيكار حمد أن الهدف من هذه الرحلات يقتصر على ممارسة الرياضة، بل تعتبرها وسيلة لدعم النساء وتعريفهن بجمال الطبيعة في كردستان، إلى جانب تعزيز الروابط الإنسانية بينهن.

وأضافت "هدفنا دعم النساء وتعريفهن بالطبيعة الجميلة في كردستان، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صحتهن. نخرج مرة كل أسبوع أو كل أسبوعين، ونزرع بين النساء بذور المحبة والصداقة. لقد أصبحنا نحب بعضنا بعضاً كثيراً، وإذا مر أسبوع من دون رحلة، تبدأ الاتصالات بيننا هيا لنذهب في رحلة، أو لنجتمع في أي مكان".

وتصف نيكار حمد تأثير الرحلات على الحالة النفسية للنساء بأنه كبير، مشيرة إلى أن الابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية والاندماج مع الطبيعة يمنحهن شعوراً بالراحة والسعادة "عندما نخرج في الرحلات تكون قلوبنا سعيدة. تسلق الجبال مفيد جداً للصحة الجسدية والنفسية. عندما نأتي إلى الطبيعة ونندمج معها، نشعر بسعادة كبيرة وننسى مشكلاتنا. نحن هنا كالأخوات، نحب بعضنا بعضاً، ونبقى على تواصل يومياً عبر الهاتف والرسائل".

في جبال كويه، لا تصعد النساء نحو القمم بحثاً عن ارتفاع جديد فحسب؛ بل يبحثن أيضاً عن مساحة أوسع للحياة. وبين طريق جبلي وآخر، تتحول الرحلات إلى فرصة للصحة والصداقة والطبيعة، وتصبح القمم شاهداً على تجربة نسائية تتسع مع كل خطوة.