سوزان سونتاج الكاتبة التي جعلت الفكر يعتلي خشبة المسرح

تُعدّ سوزان سونتاج واحدة من أكثر الأصوات الفكرية تأثيراً في القرن العشرين، فقد استطاعت أن تنقل النقد الثقافي من حدود الصفحات الأكاديمية إلى فضاء أوسع، حيث يصبح الفكر نفسه فعلاً جمالياً وحضوراً مسرحياً.

مركز الأخبار ـ منذ بداياتها المبكرة، أظهرت سوزان سونتاج شغفاً استثنائياً بالمعرفة، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز من صاغوا ملامح النقد المعاصر، وتركوا أثراً عميقاً في فهمنا للثقافة الحديثة.

وُلدت سوزان سونتاج (Susan Sontag)، الكاتبة والمفكرة والناقدة الثقافية والناشطة السياسية الأمريكية، في 16 كانون الثاني/يناير 1933 في نيويورك. تعد واحدة من أبرز الشخصيات الفكرية في القرن العشرين، إذ تركت أعمالها أثراً عميقاً في فلسفة الفن ونظرية الإعلام والنقد الثقافي المعاصر.

منذ صغرها، أبدت شغفاً كبيراً بالأدب والفلسفة. أنهت دراستها الثانوية في سن الخامسة عشرة، والتحقت بجامعة بركلي في السادسة عشرة. ثم انتقلت إلى جامعة شيكاغو حيث درست الفلسفة والأدب والتاريخ، قبل أن تواصل دراساتها العليا في جامعة هارفارد، وتقضي فترة بحثية في السوربون بباريس؛ وهي تجربة قالت إنها أسهمت في تشكيل رؤيتها الفكرية.


بداية النشاط الفكري والثقافي

دخلت سوزان سونتاج عالم الكتابة والنقد الثقافي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. صدرت روايتها الأولى "المحسن" عام 1963، لكن شهرتها الواسعة جاءت مع صدور مجموعة مقالاتها "ضد التأويل" عام 1966.

في هذا الكتاب، انتقدت المقاربات التي تفسر الأعمال الفنية حصراً من خلال معانيها الخفية، مؤكدة أن الفن يجب أن يُعاش ويُختبر، لا أن يُختزل في التأويل. وقد أصبح هذا الطرح أحد أعمدة النقد الفني الحديث.

واصلت سوزان سونتاج في السنوات التالية نشر مقالات وكتب أثارت أسئلة جديدة حول نظرة الإنسان المعاصر للصورة والجمال والمرض والأخلاق.


نشاطها السياسي والثقافي

كانت سوزان سونتاج كاتبة ملتزمة، حاضرة في القضايا السياسية والاجتماعية. انتقدت حرب فيتنام، ودافعت عن حقوق الإنسان وحرية الفكر.

وفي التسعينيات، وأثناء حصار سراييفو، سافرت إلى البوسنة وأخرجت مسرحية "في انتظار غودو" وسط الدمار، في خطوة أصبحت رمزاً للمقاومة الثقافية في وجه العنف.


المرض وتشكّل رؤية جديدة

في منتصف السبعينيات، أُصيبت سوزان سونتاج بسرطان الثدي، وهو حدث ترك أثراً بالغاً في حياتها وفكرها. حيث رفضت اللغة الاستعارية السلبية التي تُستخدم عادة لوصف المرض، ورأت أنها تُفاقم عزلة المرضى وتزيد من وصمهم.

جاء كتاب "المرض كاستعارة" ثمرة لهذا الوعي الجديد، وأصبح لاحقاً مرجعاً مهماً في الدراسات الثقافية والطبية. وبعد سنوات، وسعت هذا النقاش في كتاب "الإيدز واستعاراته".


أبرز الكتب والأعمال

من بين أعمالها العديدة، هناك كتب أصبحت مراجع أساسية في الفكر المعاصر، من بينها:

ـ "ضد التأويل (1966): مقالات في النقد الفني والثقافي 

- "حول التصوير الفوتوغرافي" (1977): تحليل لدور الصورة في الثقافة الحديثة 

- "المرض كاستعارة" (1978): دراسة للغة والرموز الثقافية المرتبطة بالمرض 

- "الإيدز واستعاراته" (1989): امتداد لكتابها السابق حول المرض والمعنى 

- "التأمل في ألم الآخرين" (2003): قراءة أخلاقية في تمثيل المعاناة في الإعلام 

- "في أمريكا" (1999): رواية نالت جائزة الكتاب الوطني في الولايات المتحدة 

- "عاشقة البركان" (1992)


سنواتها الأخيرة

أصيبت سوزان سونتاج في أواخر حياتها بسرطان الدم، وتوفيت في 28 كانون الأول/ديسمبر 2004 في نيويورك. كتبت خلال حياتها 17 كتاباً وعشرات المقالات في مجالات متعددة. وتميز فكرها بمزيج من الفلسفة والأخلاق والجماليات والسياسة، مع تركيز على المسؤولية الإنسانية والاستقلال الفكري.

وفي زمن طغت فيه الصورة على التفكير، دعت سوزان سونتاج قراءها إلى أن "يفكروا وينظروا ويشعروا من جديد"، بعيداً عن القوالب الجاهزة والتفسيرات المسبقة.