"نساء جسورات من طهران" حكاية نساء قاومن تغيرات الزمن والسياسة

تقدم الكاتبة الإيرانية ـ الأمريكية مرجان كمالي في رواية "نساء جسورات من طهران" عملاً أدبياً يمزج بين السرد التاريخي والإنساني، من خلال قصة صداقة تنمو في ظل عقود من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها إيران.

مركز الأخبار ـ تأخذنا رواية "نساء جسورات من طهران" للكاتبة الإيرانية ـ الأمريكية مرجان كمالي في رحلة إنسانية تمتد لعقود، حيث تمتزج الصداقة بالسياسة، وتتشابك الأحلام الشخصية مع التحولات التاريخية التي عصفت بإيران منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى السنوات المعاصرة.

لا تكتفي الرواية التي صدرت باللغة العربية عن دار المركز الثقافي العربي عام 2024، بسرد أحداث تاريخية، بل تكشف أثرها العميق في حياة الأفراد، ولا سيما النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة واقع يتغير باستمرار.

وتُعد من أبرز الأعمال التي تمزج بين الرواية التاريخية والاجتماعية، إذ تقدم صورة عن المجتمع الإيراني عبر سبعة عقود من التغيرات السياسية والثقافية.

تنطلق الحكاية من مفهوم "شير زن"، وهو وصف يُطلق على المرأة الشجاعة التي تتحلى بقوة اللبؤة وصلابتها. ومن خلال هذا الرمز، ترسم الكاتبة ملامح بطلتين، "إيلي" و"هوما"، اللتين تنشآن في مدينة طهران وسط مجتمع يموج بالاضطرابات السياسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من قوة الرابط الذي يجمعهما، فإن اختلاف خلفيتيهما الاجتماعيتين يضع كل واحدة منهما أمام تجارب ورؤى متباينة للحياة.

تتابع الرواية مسيرة الصديقتين منذ الطفولة، حيث تتشاركان الأحلام البسيطة والطموحات الكبيرة، قبل أن تبدأ التحولات السياسية في إعادة تشكيل واقعهما. فمع كل انقلاب أو تغير في نظام الحكم، تتبدل ملامح المجتمع، وتتغير نظرة الناس إلى الحرية والتعليم والعمل ودور المرأة، فتجد كل من إيلي وهوما نفسها أمام خيارات مصيرية: هل تبقى في وطنها وتناضل من أجل مستقبل أفضل؟ أم تغادر بحثاً عن حياة أكثر استقراراً وحرية؟ وتبقى الصداقة بينهما هي الخيط الذي يربط بين الماضي والحاضر، رغم المسافات والاختلافات التي تفرضها الحياة.

لا تركز الرواية على الأحداث السياسية بوصفها وقائع تاريخية فحسب، بل تستعرض انعكاساتها على الحياة اليومية للناس. فمن خلال شخصيتها، نرى كيف تبدلت أوضاع النساء بين فترات الانفتاح والتحديث، ثم مراحل التشدد الديني والقيود الاجتماعية، وكيف تغيرت القوانين والتوقعات المجتمعية، وما تركه ذلك من أثر في أحلام النساء وطموحاتهن وعلاقاتهن بأنفسهن وبالآخرين.

كما تتناول الكاتبة مفهوم النسوية بصورة متوازنة، موضحة أن معنى حقوق المرأة لم يكن ثابتاً عبر العقود، بل كان يتشكل تبعاً للظروف السياسية والثقافية السائدة. وتناقش الرواية كيف استُخدمت شعارات دعم المرأة أحياناً لتحقيق أهداف سياسية، في حين بقيت النساء أنفسهن يواجهن تحديات يومية في سبيل الحصول على حقوقهن الأساسية والعيش بحرية وكرامة.

ومن الجوانب اللافتة في الرواية أيضاً تناولها لبعض المعتقدات الشعبية، مثل الإيمان بالحسد أو العين الشريرة، وكيف يمكن لهذه الأفكار أن تؤثر في سلوك الأفراد ونظرتهم إلى الحياة. فالشخصيات تخشى أحياناً إظهار نجاحها أو سعادتها خشية أن تجلب لنفسها الحسد، وهو ما يعكس حضور الموروث الشعبي في تفاصيل الحياة اليومية، ويثير تساؤلات حول أثر تلك المعتقدات في تشكيل الوعي الجمعي.

وتمنح مرجان كمالي مساحة واسعة لتفاصيل الحياة الإيرانية، فتصف البيوت والأسواق والعادات الاجتماعية، وتولي المطبخ الإيراني اهتماماً خاصاً من خلال وصف الأطعمة التقليدية ومكوناتها، بما يضفي على الرواية طابعاً حسياً يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش داخل المشاهد ويتذوق نكهاتها.

وتلخص مرجان كمالي روح الرواية في كلماتها التي تسبق العمل، إذ توضح أنها ليست مؤرخة تسعى إلى توثيق الأحداث، بل روائية تؤمن بأن الحكايات تمتلك قدرة فريدة على حفظ الذاكرة الإنسانية، ومنح القارئ الأمل والتعاطف والفهم. فبالنسبة إليها، قد تكون الشخصيات متخيلة، لكن مشاعرها وتجاربها تعكس حقائق عاشها كثيرون، ولذلك جاءت قصة إيلي وهوما لتكون مرآة لآمال النساء وخيباتهن، ولتؤكد أن اختلاف الثقافات والبلدان لا يلغي حقيقة أن البشر يشتركون في مشاعر واحدة، وأن قلوبهم جميعاً تنبض بالأحلام نفسها مهما اختلفت الأزمنة والأماكن.