"Lavinç"... رثاء يتحول إلى شهادة حيّة على جراح الإيزيديين

في شنكال تُغني النساء أغنية Lavinç كرثاء عند غروب الشمس، فعندما تُغنى على شكل أغنية شعبية تصف الانسجام بين الجبال والناس مع الطبيعة؛ وعندما تُغنى كرثاء، فإنها تُعبر عن اغتراب الناس عن كل شيء.

مركز الأخبار ـ تعتبر المراثي والأغاني الحزينة جزءاً أساسياً من التراث الثقافي والديني للنساء الإيزيديات، وقد اكتسبت عمقاً وألماً أكثر بعد الإبادة الجماعية عام 2014، حيث أصبحت وسيلة للتعبير عن الفقد والنزوح والاختطاف.

لا تزال أصداء أصوات النساء تتردد في أراضي بلاد ما بين النهرين القديمة، حاملةً آثار آلاف السنين من المعاناة والمقاومة، ولا تُعدّ المراثي التي تُنشدها النساء الإيزيديات، على وجه الخصوص مجرد طقوس حداد، بل هي تعبير قوي عن الذاكرة التاريخية، والتمرد، والمقاومة الثقافية.

يُقال إن النساء كنّ أول من نسجن نسيج العقيدة الإيزيدية، وبينما تُعدّ أصوات النساء حاسمة في النقل الشفهي للعقيدة، فإن الصلة التي أُقيمت مع الطبيعة والشمس والحياة تجد مكانها أيضاً في هذه الروايات، ومع ذلك فقد غيّرت المجازر والاضطهاد الذي شهده التاريخ شكل هذا النقل الثقافي.

واجه المجتمع الإيزيدي، ولا سيما سكان شنكال والمناطق المحيطة بها، سلسلة طويلة من الهجمات والمجازر التي عُرفت باسم "الفرمان" ومع تراكم آثار هذه الأحداث عبر التاريخ، ترسخت قوانين وأعراف اجتماعية فرضت قيوداً صارمة على النساء في تلك المناطق، فقد دفعت النساء إلى هامش الحياة الثقافية وأبعدن عن ممارسة فن Dengbêja (الغناء الشعبي الكردي)، ليقتصر حضورهن على أداء المراثي فقط، باعتبارها الشكل الوحيد المقبول للتعبير.

وتُعد أغنية "Lavinç" مثالاً واضحاً على هذا التحول، فبينما كان الرجال يؤدونها كأغنية شعبية كردية، لم يكن مسموحاً للنساء بغنائها إلا بصيغة مرثية وفي أوقات محددة غالباً عند غروب الشمس، وتشير الروايات إلى أن النساء كنّ في الأصل يغنين Lavinç كأغنية  شعبية شأنهن شأن الرجال، إلا أن جراح الفرمانات المتتالية وما خلّفته من ألم وخوف دفعت النساء تدريجياً إلى الانفصال عن جزء مهم من تراثهن الثقافي.

ومع مرور الزمن، لم يبقَ للنساء سوى صوت المقاومة الذي احتفظن به في المراثي، فكانت تلك المراثي بمثابة الوعاء الأخير لذاكرة الألم والصمود، وحافظة لما تبقى من حضورهن في المشهد الثقافي الإيزيدي.

في جبال شنكال، تُنشد النساء أغنية Lavinç رثاءً عند غروب الشمس بعد أشد الأحزان، فعندما تُنشد على طريقة الشعبية الكردية تصف الانسجام بين الجبال والسهول والناس مع الطبيعة، وعندما تُنشد رثاءً تُعبّر عن اغتراب الناس عن كل شيء، باختصار تُنشد لأعمق الأحزان.

في مراثيها، تُجسّد الأم شيمي عمق الألم الذي خلّفته الفرمانات الأربع والسبعون التي استهدفت الإيزيديين عبر التاريخ، ومن خلال رثائها الشهير Lavinç تسعى إلى نقل حجم المأساة التي عاشها أبناء شنكال عقب هجوم داعش عام 2014، فقد أصبح هذا الرثاء، الذي تؤديه الأم شيمي عند غروب الشمس في جبال شنكال، شاهداً حياً على تلك الجراح التي لم تندمل.

وتُعدّ الفرمانات وما خلّفته من معاناة موضوعاً محورياً في المراثي الإيزيدية، إذ تحمل في طياتها سرداً تاريخياً وثقافياً يخلّد الذاكرة الجماعية للمجتمع الإيزيدي، وفي هذا السياق يسلّط الفيلم الوثائقي "البيت في وجه الشركس" (Evin di Rûyê Qirkirinê)، للمخرج محمود برازي، الضوء على هذا الإرث الشفهي، مقدماً رثاءLavinç بصوت الأم شيمي كصرخة احتجاج ضد الإبادة الجماعية التي تعرّضت لها النساء الإيزيديات، بهذا يتحول الرثاء من مجرد أداء صوتي إلى شهادة مقاومة، تحفظ الذاكرة وتواجه النسيان.

اليوم، لا يقتصر أنين النساء الإيزيديات على سرد آلام الماضي فحسب، بل تلعب أيضاً دوراً بالغ الأهمية في الحفاظ على الهوية الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة. هذه الأصوات، التي يتردد صداها في جبال شنكال، لا تزال اللغة المشتركة للحزن والمقاومة على حد سواء.