فاطمة عيسى... رحلة صوتٍ قاوم القمع واحتضن التراث
خلّدت المغنية الكردية فاطمة عيسى اسمها بصوتها الذي صدح عبر إذاعة يريفان، لتصبح واحدة من أبرز النساء اللواتي تركن بصمة لا تُنسى في الذاكرة الموسيقية الكردية.
مركز الأخبار ـ يشكل صوت فاطمة عيسى إحدى العلامات البارزة في الذاكرة الموسيقية الكردية، رغم قِصر حضورها الإذاعي، تركت خلفها إرثاً غنائياً لا يزال حاضراً حتى اليوم.
وُلدت فاطمة عيسى عام 1934 في قرية إريزغين بأذربيجان، ثم انتقلت مع عائلتها بعد التهجير إلى قرية همزالي في أرمينيا.
لم تكن رحلة حياتها سهلة؛ فقد نشأت في بيئة تقليدية صارمة، وعانت القسوة والحرمان. لم تلتحق بالمدرسة، وزُوجت وهي في الرابعة عشرة، كما كان حال معظم الفتيات الكرديات آنذاك. وفي تلك الفترة، كان ينظر إلى غناء النساء باعتباره أمراً مرفوضاً، تماماً كما واجهت مريم خان ضغوطاً مشابهة.
وفي عام 1964، زار خليل تشاتشان مورادوف، أحد مسؤولي إذاعة يريفان، قرية قريبة من قريته. وهناك سمع من محمد سيلو عن جمال صوت فاطمة عيسى. طلب منها تشاتشان أن تغني للإذاعة.
في ذلك الوقت، كانت الأصوات النسائية في الإذاعة مقتصرة على مغنيات كرديات إيزيديات مثل سوسكا سيمو وبلغا قادو وزادينا شاكير وتوكاسا خيمو. أما فاطمة عيسى، فكانت من عائلة كردية مسلمة، وفي مجتمعها لم يكن الغناء مقبولاً إلا في مجالس النساء. ومع ذلك، وبمساندة خالتها، وافقت على الدعوة، وتوجهت إلى منزل محمد سيلو حيث جرى تسجيل صوتها.
لم تغن فاطمة عيسى في الإذاعة سوى مرة واحدة، وسجل لها خمس أغنيات أصبحت جزءاً من الذاكرة الكردية وهي "De Miho، Dîna Min، Şerê Reya Beşer، Gedê Mirzo، Derwêşê Evdî" وغيرها من الأغاني التي لاقت الاستحسان والقبول من المستمعين. وعلى وجه الخصوص أغنية "De Miho" التي حازت على مكانة مميزة في قلوب الكرد.
De Miho"" جوهرة من التراث الكردي
تُعد أغنية De Miho"" من أبرز الأغاني التراثية الكردية مجهولة المؤلف، وقد أدتها فاطمة عيسى بأسلوب ترك أثراً عميقاً في الموسيقى الكردية.
تستند الأغنية إلى قصة حب أسطورية بين فتاة قوية تُدعى "تيلي" وشاب من عشيرة "محو". وفي مجتمع كان التعبير العاطفي فيه محدوداً، جاءت هذه الأغنية لتُظهر حب امرأة لرجل، وهو أمر نادر في ذلك الزمن. لذلك اكتسبت الأغنية طابعها الكلاسيكي المميز، بنبرتها الطويلة والحزينة التي تجسد شغف تيلي وإعجابها بمحو.
رحيل فاطمة عيسى
عاشت فاطمة عيسى وعائلتها حياة مليئة بالتنقلات. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والأزمة الاقتصادية التي تبعته، إضافة إلى التوترات بين الشعوب المختلفة، هاجروا عام 1989 إلى روسيا واستقروا في قرية صغيرة بمنطقة كراسنودار، حيث توفيت عام 2010.
وبحسب ما تم تناقله، كانت فاطمة عيسى تعبّر دائماً عن آلام الشعب الكردي ومعاناته، وتؤمن بأن يوماً مشرقًا سيأتي للكرد مهما طال الزمن.