الحضر القديمة... بين التعدد الديني والاستقرار السياسي وتمثيل المرأة

من الحماية العسكرية إلى المعابد متعددة الآلهة، تُظهر مدينة الحضر القديمة أن المرأة في جميع جوانب الحياة والمعتقدات في بلاد الرافدين لم تكن مجرد رمز مقدس، بل كانت تشكل الحياة والمجتمع نفسه. أي إن المجتمع كان هو نفسه.

مركز الأخبار ـ "الحضر" مدينة أثرية مهمة في منطقة بلاد الرافدين ضمن محافظة نينوى. تقع بين نهري الفرات ودجلة، وعلى طرق التجارة. ازدهرت المدينة بشكل خاص في عهد الإمبراطورية الفرثية. الحضر، الذي يجذب اليوم الأنظار بآثاره، أُدرج عام 1985 في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

رغم أن التاريخ الدقيق لتأسيس الحضر غير معروف، إلا أنه يُقدَّر أن الاستيطان فيها يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وقد شهدت المدينة ازدهارها في القرنين الأول والثاني الميلاديين. في هذه الفترة أصبحت مركزاً تجارياً ودينياً في آن واحد.

كانت الحضر موقعاً استراتيجياً بين الإمبراطوريتين الفرثية والرومانية، ولذلك لعبت دور "الدولة العازلة". وبفضل أنظمتها الدفاعية القوية، صمدت المدينة أمام الهجمات الرومانية وحافظت على استقلالها لفترة طويلة.

لكن في عام 241 ميلادي، سقطت المدينة بيد الإمبراطورية الساسانية وتم تدميرها إلى حد كبير، وبعد ذلك هُجرت.


         


        

الإطار التاريخي والثقافي

ازدهرت الحضر بشكل خاص في القرنين الأول والثاني الميلاديين تحت نفوذ الإمبراطورية الفرثية، وأصبحت مدينة حدودية مهمة تصدّت لروما. وبفضل بنيتها متعددة الثقافات وأنظمتها الدينية وقيمها الاجتماعية المتنوعة، جمعت بين عناصر مختلفة. يظهر هذا التنوع بوضوح في المعابد والرموز الفنية في المدينة. لم تكن الحضر مجرد مركز عسكري وتجاري، بل كانت أيضاً مركزاً ثقافياً ذا معتقدات ورموز خاصة.

 

تمثيل المرأة في المعابد

         


        

تكشف المعابد المكتشفة في الحضر عن وجود معتقدات تعددية الآلهة. ويبرز الحضور والمعنى الرمزي للإلهات الإناث ضمن هذا النظام.

في معتقدات بلاد الرافدين، ترتبط صورة المرأة غالباً بالخصوبة والوفرة والحماية واستمرار الحياة. وتظهر آثار هذا التصور في الحضر أيضاً. لم تكن الإلهات الإناث تمثل الطبيعة فقط، بل كنّ يُعتبرن جزءاً من التوازن الروحي والثقافي للمجتمع. وهذا يدل على أن المرأة في المجتمعات القديمة لم يكن دورها بيولوجياً فقط، بل كان لها أيضاً دور مقدّس. فالمرأة كيان قوي يخلق ويغيّر ويعلّم ويتعلم، وهي حاضرة في جميع جوانب الحياة. أي أنها هي نفسها المجتمع والحياة. وهذا ما يظهر في الحضر.


         


        

مدينة الشمس

تُعرف الحضر أيضاً باسم "مدينة الشمس" لأن الإله شمش كان يُعد أهم إله في المدينة. ويرتبط هذا الاسم مباشرة بالبنية الدينية والمعمارية والهوية الثقافية للمدينة.

في الحضر كان شماش من أكثر الآلهة احتراماً. في المعتقدات الرافدينية يُنظر إليه باعتباره رمز العدالة والحق والنور. لذلك حظي بتقدير كبير، وقد خُصص له أحد أهم المعابد في المدينة.

صُمم مجمع المعابد في الحضر بطريقة تسمح بتعزيز دخول أشعة الشمس. فالساحات الواسعة والمساحات المفتوحة تسمح لوصول الضوء إلى الداخل مباشرة، مما يجعل النور عنصراً مقدساً في الطقوس الدينية.

مدينة الحضر الأثرية التي يبلغ عمرها نحو 2000 عام في نينوى كانت مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لكنها في آذار/مارس 2015 تعرضت للتدمير من قبل داعش باستخدام الآليات الثقيلة والجرافات. وبعد تحرير الموصل من داعش، تم تحرير هذا الموقع الأثري أيضاً.