وسط غياب المقومات... قصة امرأة تكافح لحماية أطفالها
في غزة، حيث يتقاطع الحرب مع الفقر والمرض، تجسد نعمة أبو غانم حكاية امرأة تقاوم وحدها لحماية أطفالها من الجوع والخوف وسط غياب أبسط مقومات الحياة.
نغم كراجة
غزة ـ في خيمةٍ بالكاد تقف على أطرافها، تعيش نعمة أبو غانم (47 عاماً)، التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة عالمٍ قاسٍ. فمنذ بدء الحرب التي اندلعت في عام 2023 في غزة تحولت حياتها إلى معركة يومية للبقاء لا تملك فيها سوى إرادةٍ مثقلة بالخوف، وأربعة أطفال ينامون على الجوع ويستيقظون عليه.
داخل تلك الخيمة المهترئة، لا يقتصر الخطر على الجوع والعوز، بل يمتد إلى القوارض والكلاب الضالة التي تحيط بالمكان، فتسرق ما تبقى من شعور بالأمان، تروي نعمة أبو غانم بصوتٍ متعب "أستيقظ كل ليلة على أصوات مرعبة، أخشى أن يهاجمنا شيء ونحن نيام، لا أستطيع حماية أطفالي كما يجب، ولا أملك حتى باباً أغلقه علينا"، تضيف وهي تستعيد لحظة محفورة في ذاكرتها "في إحدى الليالي، وجدت كلباً يقف أمام خيمتي، لم أستطع الحركة، بقيت أصرخ وأبكي، وأطفالي يبكون بجانبي، لم يكن هناك من ينقذنا".
معاناة مضاعفة
تعيش نعمة أبو غانم على ما توفره "التكيات" من طعام، وغالباً لا تجد سوى الخبز، تمر أيامٌ دون وجبة حقيقية، فتقول "أطفالي ينامون جائعين، وأقف عاجزة أمامهم".
ورغم قسوة الواقع، تتمسك بخيط رفيع من الأمل، يتمثل في تعليم أبنائها، تبحث عن أي فرصة تعليمية مجانية، وتحاول إبقاءهم مرتبطين بالدراسة، كأنها تحارب انهياراً آخر قد يسرق منهم مستقبلهم، تقول "لا أريد لهم أن يكبروا في هذا الظلام، أريدهم أن يتعلموا، أن يكون لهم طريق مختلف لكنني لا أستطيع دفع أي رسوم، بالكاد أؤمن لهم الخبز".
المعاناة لا تتوقف عند حدود الفقر والجوع، فهي نفسها تعاني من أزمة صدرية حادة، وتحتاج إلى بخاخ طبي لا تستطيع شراءه، أمام هذا العجز اتخذت قراراً قاسياً، إذ تخلت عن علاجها لصالح طفلها الذي يعاني من الحالة ذاتها، وتقول "أعطيه البخاخ وأتحمل أنا الاختناق لا أستطيع أن أراه يتألم حتى لو كان ذلك على حساب صحتي".
أما ابنتها بيسان البالغة من العمر 16 عاماً، فتحمل في جسدها آثار الحرب التي لم تغادرها، أصيبت بشظايا في دماغها، واستئصال جزء من أمعائها ما يجعلها بحاجة إلى علاج دائم غير متوفر، عدم التزامها بالعلاج يضاعف حالتها سوءاً، ويمنعها من الاستمرار في التعليم.
في لحظات الانكسار، تلجأ بيسان ووالدتها إلى الغناء، كوسيلةٍ وحيدة للتخفيف من ثقل ما تعيشانه، تقول بيسان "نغني لننسى، لنحكي ما لا نستطيع قوله، الصوت أحياناً يكون أقوى من البكاء".
هذه القصة تعكس واقعاً أوسع تعيشه آلاف النساء في قطاع غزة، تشير بيانات صادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من المتضررين من الحرب حيث تقدر التقارير أن أكثر من 70% من الضحايا هم من الفئات الأكثر هشاشة في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
فجوة صارخة بين النصوص القانونية والواقع الميداني
تتضح الأبعاد الحقوقية للأزمة عند العودة إلى اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تُعد ركناً أساسياً في القانون الدولي الإنساني، إذ تلزم بحماية المدنيين خلال النزاعات وضمان حصولهم على الغذاء والرعاية الصحية، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال. وتنص المادة 55 على مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال في توفير الإمدادات الغذائية والطبية للسكان، فيما تؤكد المادة 56 ضرورة ضمان استمرار عمل المنشآت الطبية وتقديم الخدمات الصحية دون توقف.
ما تعيشه نعمة أبو غانم وأطفالها يعكس فجوة صارخة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، وغياب الغذاء، انعدام العلاج، وانهيار مقومات الحياة الأساسية، كلها مؤشرات على انتهاكات جسيمة لهذه الالتزامات الدولية.
ورغم ذلك، تبقى المرأة الفلسطينية كما في حالة نعمة أبو غانم نموذجاً للصمود في وجه الانهيار، لا تملك أدوات القوة التقليدية لكنها تتمسك بأبسط أشكال المقاومة: البقاء، حماية أبنائها، والإصرار على تعليمهم، تقول وكأنها تلخص رحلتها كلها "أنا لا أطلب الكثير، فقط أريد أن يعيش أطفالي بكرامة، أن يناموا دون خوف، وأن يجدوا طعاماً حين يجوعون".
في ظل هذا الواقع، تتحول الحياة اليومية إلى اختبار قاس للقدرة على الاحتمال، كل يوم يمر هو معركة جديدة، وكل ليلة تنقضي دون كارثة تُعد نجاة مؤقتة، ومع ذلك تستمر نعمة أبو غانم في النهوض، في مواجهة الخوف، في البحث عن طعام، وفي احتضان أطفالها حين ينهار كل شيء من حولهم.