تل الورد... قرية تعود للحياة رغم سنوات من القصف والتهجير
تروي أمينة ذياب، إحدى أوائل العائدين إلى تل الورد بريف زركان، معاناة الأهالي بعد سنوات القصف، مؤكدةً أن التمسك بالأرض لا يكفي وحده، وأن عودة الحياة تتطلب دعماً حقيقياً يوفّر الأمن والخدمات ويُمكّن السكان من إعادة بناء منازلهم ومستقبل أطفالهم.
سوركول شيخو
زركان ـ تعرضت معظم قرى زركان في روج آفا، خلال الفترة الممتدة من 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019 وحتى عام 2025، لسلسلة هجمات نفذها الاحتلال التركي، وتعد قرية تل الورد إحدى أبرز القرى المتضررة، نظراً لوقوعها على خط التماس مباشرة ما جعلها في مواجهة مستمرة مع العلميات العسكرية.
أسفرت الهجمات المتكررة التي شهدتها قرى زركان خلال السنوات الماضية عن مقتل سبعة مدنيين خلال سبع سنوات بينهم امرأة، وقد قُتل الضحايا أثناء محاولتهم الدفاع عن منازلهم وأراضيهم بعد أن تعرضت القرية لقصف مباشر، كما أدت الظروف الأمنية الخطيرة إلى منع ذوي الضحايا من إقامة مراسم العزاء نتيجة استمرار التهديدات العسكرية وصعوبة الوصول الآمن إلى المنطقة.
ورغم تسجيل فترة هدوء مؤقتة فإن الوضع الأمني لم يشهد استقراراً فعلياً، فما تزال القواعد العسكرية التركية المقابلة للقرية قائمة ولم تُفكك بشكل كامل، الأمر الذي يُبقي احتمالات تجدد الهجمات قائمة ويعزز مخاوف السكان من العودة إلى قريتهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
وتُظهر هذه المعطيات أن قرية تل الورد، شأنها شأن العديد من قرى زركان، تعيش حالة عدم استقرار مزمن ناجم عن استمرار التهديدات العسكرية، ما ينعكس سلباً على الأمن الإنساني، والقدرة على العودة، وإعادة الإعمار، واستمرارية الحياة الاجتماعية.
وخلال الهجمات تعرضت قرية تل الورد لدمار واسع النطاق نتيجة القصف المتكرر، إذ سقطت عليها آلاف القذائف خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تدمير عدد كبير من المنازل والبنى الأساسية، وبسبب النزوح القسري وانعدام الأمان، بقيت الطرقات مهجورة لسنوات، الأمر الذي سمح للأعشاب الكثيفة والأشواك بالنمو فوقها، كما تحوّلت حجارة المنازل المهدمة إلى شاهد حي على مستوى العنف الذي طال القرية، وترك بصمة عميقة في الذاكرة الجماعية لسكانها.

ويمثّل فصل الربيع تحدياً إضافياً للقرى الواقعة على خطوط التماس ومنها تل الورد، فمع ازدياد كثافة الأعشاب، ترتفع مخاطر انتشار الذخائر غير المنفجرة التي ما تزال متناثرة في محيط القرية، ويشير أحد السكان إلى أن هذه الذخائر موجودة بكميات كبيرة وأن اندلاع أي حريق خلال فصل الصيف قد يؤدي إلى انفجارات خطيرة تهدد حياة المدنيين، ولهذا السبب طالب الأهالي بضرورة إرسال فرق مختصة بإزالة الألغام لتفكيك هذه المخلفات الحربية.
وفي ظل غياب الدعم الفني واللوجستي، اضطر القرويون إلى استخدام وسائل بدائية للحد من المخاطر، إذ عمدوا إلى تغطية الذخائر غير المنفجرة بالحجارة بهدف منع الأطفال والمارة والمركبات من الاقتراب منها، غير أن هذا الإجراء لا يعد كونه حلاً مؤقتاً ولا يمكن أن يشكل بديلاً عن التدخل المهني المطلوب لضمان سلامة السكان.
"عودة الروح إلى الجسد"
عاد ما يقارب عشر عائلات حتى الآن إلى قرية تل الورد، في خطوة تُعد بمثابة استعادة تدريجية للحياة بعد سنوات من التهجير والدمار، ويشبه الأهالي هذا المشهد بـ "عودة الروح إلى الجسد" إذ بدأت مظاهر الحياة اليومية بالظهور مجدداً، بما في ذلك عودة المواشي التي تُعدّ جزءاً أساسياً من اقتصاد القرية ونمط عيش سكانها.

تُقيم أمينة ذياب في القرية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهي من أصول قادمة من مدينة تدمر السورية، وقد عادت إلى تل الورد قبل نحو عشرة أيام فقط، لتكون من أوائل العائدين الذين يسعون إلى إعادة بناء حياتهم رغم الظروف الأمنية الصعبة.
وعبّرت أمينة ذياب خلال حديثها عن ارتباطها العميق بالقرية على الرغم من أن منزلها دُمر بالكامل جراء القصف، مؤكدة أن العودة إليها رغم المخاطر تُعد خطوة أساسية للحفاظ على الجذور واستعادة جزء من الحياة السابقةً "أن الرغبة في العودة موجودة لدى الجميع، لكن استمرار الحياة يتوقف على توفير الخدمات الأساسية، أنظار الجميع متجهة نحو العودة، لكن الاحتياجات الأساسية للقرية هي الكهرباء والماء والتي تعرضت لأضرار نتيجة القصف، عندما يتم توفيرها سيعود جميع الأهالي غداً".
وأشارت إلى أن الأهالي، رغم محدودية إمكاناتهم يتمسكون بالأمل في إعادة بناء منازلهم المدمرة يوماً ما، ويتطلب ذلك دعماً خارجياً "سنعيد بناء قريتنا، لكننا نحتاج إلى منظمات إنسانية لتقديم يد العون لنا".
ويعتمد معظم العائدين على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، ما يجعل قدرتهم على تمويل إعادة البناء شبه معدومة، فارتفاع أسعار مواد البناء والمعدات يجعل عملية ترميم المنازل أو تشييدها من جديد أمراً بالغ الصعوبة، وبذلك تصبح عودة الحياة الطبيعة مرهونة بتوفير دعم إنساني يخفف العبء عن السكان ويتيح لهم استعادة مساكنهم واستقرارهم.

"محاولة لاستعادة نمط الحياة السابقة"
وأعادت أمينة ذياب جميع دواجنها وماشيتها إلى القرية في محاولة لاستعادة نمط حياتها السابق، إلا أن الظروف الراهنة تجعل تربية المواشي مهمة شاقة، مشيرةً إلى أن غياب مصادر المياه يشكّل التحدي الأكبر "لا نملك آباراً، فنستخدم خزانات لتجميع المياه العذبة وسقاية الأغنام والدجاج، نضطر لشراء خمسة براميل من الماء بسعر يتراوح بين 20 و30 ألفاً للبرميل الواحد".
هذا الاعتماد على شراء المياه يفرض عبئاً اقتصادياً كبيراً على العائلات العائدة، خصوصاً أن معظمها يعتمد على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل، ورغم هذه الصعوبات، أشارت إلى أن الحياة تعود تدريجياً إلى القرية، مؤكدةً أن المجتمعات المحلية قادرة على استعادة عافيتها، وأن التكاتف بين الأهالي سيُساهم في تحسين الأوضاع بشكل ملموس.
وعن التعليم، لفتت إلى أن أطفالها لم يتلقوا أي تعليم خلال السنوات الماضية، وابتعدوا عن العلوم والمعرفة، وتساءلت أين المدرسة التي يمكن لأطفالي الدراسة فيها؟ أتمنى أن أضمن مستقبلهما، فمن المهم أن أُريهما كيف يتقدمان في حياتهما من خلال التعليم "نريد ترميم مدرسة القرية التي دُمرت وتضررت بشدة جراء الهجمات، وتوفير التعليم للأطفال فيها".
وطالبت بإرسال فرق متخصصة لإزالة الألغام، قائلة "نريد أن نرى أرضنا لكنها ما تزال مليئة بالألغام يجب على الفرق أن تأتي وتزيلها، بعد سبع سنوات حان الوقت لكي تنسحب تركيا من أرضنا لنتمكن من زيارتها وزراعتها وكسب عيشنا، لا يمكن أن يستمر هذا الظلم، فبعد كل ليل طويل يأتي فجر مشرق".
وأعربت أمينة ذياب في ختام حديثها عن أملها في أن يكون بلدها آمناً، وكذلك جميع المكونات الأصلية لهذه الأرض من كرد وسريان وآشوريين وعرب " لقد مر وقت طويل جداً منذ أن عشنا جميعاً معاً، ولا نستطيع أن نفترق، أتمنى أن يكون بلدنا آمناً وخالياً من الخوف".