متنقلة بين قبور الشهداء تحرس الأم خوخة ذاكرة شنكال
الأم خوخة هي امرأة من شنكال فقدت ابنها في 7 كانون الأول عام 2021، في خانه سوره نتيجة هجوم لدولة الاحتلال التركي والخونة، وبقيت تمشي بين قبور الشهداء منذ تلك السنوات، لتسرد قصص المأساة والمقاومة، ولتحفظ في الذاكرة ما عاشه أهالي شنكال.
كلستان عزيز
شنكال ـ في شنكال، حيث ما تزال رائحة الحرب تختلط بغبار الجبال، تقف أمٌّ إيزيدية كل يوم أمام قبور الشهداء وكأنها تحرس ذاكرة مدينة كاملة. هناك، في "مزار الشهداء"، لا تُدفن الأجساد فقط، بل تُدفن حكايات الألم والمقاومة والخسارات التي غيّرت حياة آلاف الإيزيديين منذ فرمان الثالث من آب/أغسطس 2014.
الأم خوخة، التي فقدت ابنها الوحيد مروان بدل (دجوار فقير)، لم تكن مجرد أم ثكلى، بل شاهدة على سقوط شنكال وقيامها من جديد، وعلى ولادة مقاومة كتبت بدماء أبنائها.
كانت الأم خوخة تسير ببطء بين القبور، تتأمل أسماء الشهداء المحفورة على الشواهد، وكأنها تبحث عن وجوه تعرفها منذ سنوات الحرب الأولى. هي تعرف أن تحت هذا التراب يرقد مئات المقاتلين والمقاتلات الذين واللواتي وقفوا بوجه داعش عندما كانت شنكال تُحاصر من كل الجهات لكنها لا تعرفهم واحداً واحداً.

بصوت متعب لكنه ثابت، قالت إن هؤلاء لم يأتوا فقط من شنكال، بل من أماكن وقوميات ومعتقدات مختلفة، لكنهم جميعاً أصبحوا أبناء لهذه الأرض بعدما قاتلوا دفاعاً عنها، وبالنسبة لها، لم يكن الشهداء غرباء، بل جزءاً من روح شنكال نفسها.
تتذكر الأم خوخة تلك الأيام القاسية حين كانت الحرب تحاصر الجميع، ولم تكن هناك أفران أو حياة طبيعية. كانت برفقة شقيقتها وابنتها وزوجة أبنها، تخبز للمقاتلين يومياً، فلم يكن الخبز مجرد طعام، بل رسالة صمود تمنح المقاتلين والمقاتلات القوة للاستمرار.
وخلال حديثها، كانت تعود بذاكرتها إلى ابنها الوحيد مروان بدل، الذي كان رفاقه ينادونه دجوار فقير، تقول أنه شاب هادئ يحمل هموم شعبه في قلبه، لم يكن يزور المنزل إلا قليلاً، لأنه يقضي معظم وقته مع المقاتلين في الجبهات.

تروي الأم بابتسامة ممزوجة بالحزن أن ابنها جاء ذات يوم ليأخذ الخبز، ثم نظر إليها قائلاً "أمي، إلى متى ستبقين تعجنين هذا الطحين؟ ألا ينتهي أبداً؟"، فضحكت وأجابته "يبدو أن البركة حلّت في طحيننا".
لكن خلف تلك اللحظات البسيطة كانت تختبئ نهاية قريبة، ففي أحد الأيام أخبرها برغبته في الانضمام رسمياً إلى صفوف المقاتلين والمقاتلات حاولت أن تمازحه قائلةً إنه معهم بالفعل، لكنه أجابها بأنهم يريدون بناء قوة تعرف بعضها بعضاً وتقف معاً في وجه الخطر.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مروان مجرد ابن للأم خوخة، بل أصبح واحداً من أولئك الذين تصفهم اليوم بـ "الخالدين".
وعندما يُذكر الحديث القوى التي تركت شنكال خلال الهجوم، يتغير صوت الأم خوخة تماماً. الغضب يسبق كلماتها، وهي تستعيد مشهد الليلة التي تُرك فيها الإيزيديون وحدهم أمام الموت، وتقول إن الخذلان كان أقسى من الحرب نفسها، وإن من ترك الناس لمصيرهم لا يحق له العودة وكأن شيئاً لم يحدث.
ورغم كل ما عاشته من فقدان وألم، ما تزال الأم خوخة تؤمن أن شنكال نهضت من جديد بفضل تضحيات الشهداء والشهيدات، وتؤكد أن الأرض بالنسبة للإيزيديين ليست مجرد مكان، بل كرامة ووجود وهوية، لذلك ترى أن حماية شنكال واجب لا ينتهي، حتى لو بقيت النساء وحدهن في الميدان، وتنظر نحو الجبال المحيطة بالمزار، ثم تقول "شنكال بُنيت بدماء الشهداء، وكل ما بقي لنا اليوم قائم بفضلهم".