طالبات تونسيات: الانقطاع المدرسي أزمة متواصلة في ظل واقع تعليمي صعب

يشهد قطاع التعليم في تونس جملة من الصعوبات، جعلت من الحصول على بيئة مشجعة للتعليم والدراسة أحد أبرز التحديات الوطنية، خاصة في المناطق الداخلية والريفية.

إخلاص الحمروني

تونس ـ رغم الجهود التي بذلتها تونس منذ عقود لترسيخ الحق في التعليم وضمان مجانيته، إلا أن المنظومة التربوية اليوم تواجه تحديات متزايدة، أبرزها ظاهرة الانقطاع المدرسي، التي تمس بشكل خاص الفتيات في المناطق الريفية، لتبقى ولايات مثل القصرين من بين الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة.
 

ضغط مدرسي وانقطاع عن التعليم

تؤكد الطالبة سوار الهمامي أن تونس تعاني من نقص في عدد المدارس والجامعات، خصوصاً في المناطق الداخلية، وهو ما يعكس ضغطاً كبيراً على الأقسام وعلى المنظومة التربوية ككل، مشيرة إلى أن المناهج الدراسية أصبحت مكتظة بشكل مبالغ فيه، مما يثقل كاهل التلاميذ والطلبة. كما أن اليوم الدراسي الطويل والذي يعتمد في الغالب على نظام الحصتين ويمتد أحياناً لساعات طويلة مرهقة، يدفع بعض التلاميذ إلى النفور من الدراسة، وقد يكون عاملاً غير مباشر في ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي.

وتضيف أن الحكومة ووزارة التربية تتحملان المسؤولية الأساسية في إصلاح المنظومة التعليمية، وذلك من خلال تقليص ساعات الدراسة التي أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على التلاميذ، مشددة على ضرورة توفير الأنشطة والنوادي داخل المؤسسات التربوية، لما لها من دور في تخفيف الضغط، وتنمية مهارات جديدة لدى التلاميذ. فحتى في حال واجه البعض صعوبات في الجانب الأكاديمي، يمكنهم التألق في مجالات أخرى مثل الرياضة أو الموسيقى أو غيرها من الأنشطة.

         


        

إصلاح جذري وتحديث شامل

من جانبها، توضح الطالبة درصاف رحموني أن الانقطاع عن التعليم يعد من أكبر المشكلات في قطاع التعليم في تونس وليس في القصرين فقط، إذ إن العديد من الأطفال يغادرون المدارس مبكراً، وتتمثل أسباب التسرب المدرسي، التي ترتفع نسبتها في الأرياف أكثر من المدن، في الظروف المعيشية والبنية التحتية في المناطق الريفية، والتي تعد أصعب بكثير من نظيرتها في المدن.

وتقول إن للفقر دوراً مهماً، ولوسائل النقل والظروف العائلية تأثيراً كبيراً في هذا الشأن، حيث تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية بشكل واضح على تعليم الأطفال، إذ إن الوضع المادي الصعب يدفع بعض العائلات إلى اختيار انقطاع أبنائها عن الدراسة، بهدف تقليل المصاريف وتوفير المال من أجل تأمين احتياجات العيش.

وتضيف "هناك فرق واضح بين المدن والأرياف؛ ففي المدن تكون الطرقات والبنية التحتية أفضل، بينما تعاني الأرياف من ضعف كبير في هذه الجوانب، حيث قد لا تتوفر وسائل النقل، ويضطر التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المدارس".

ولتحسين واقع التعليم في هذه المناطق، ترى أنه من الضروري العمل على توفير مدارس قريبة في المناطق الريفية، تحسين البنية التحتية، وإصلاح الطرقات، أو إنشاء طرق جديدة تسهّل وصول التلاميذ إلى مؤسساتهم التعليمية، إضافة إلى توفير وسائل نقل مناسبة لهم.

ومن واقع التجربة والمعايشة، تؤكد درصاف رحموني أن البرامج التعليمية وطرق التدريس تحتاج إلى إصلاح جذري وتحديث شامل. كما يجب تغيير الفكر السائد الذي يفضل الذكر على الأنثى، ويعتبر أن مكان الفتاة هو المنزل فقط، حيث يُنظر إليها على أنها مخصصة للأعمال المنزلية وتربية الأطفال فقط، دون حق في بناء مستقبلها العلمي أو المهني.

وتقول "رغم وجود العديد من الفتيات الناجحات اللواتي استطعن تحقيق إنجازات كبيرة، ورفعن مستوى عائلاتهن، وخرجن من دائرة الفقر، ووصلن إلى مراتب عالية، ما يزال هذا الفكر موجوداً في بعض العائلات، حيث يُمنع بعض الفتيات من مواصلة التعليم بحجة أن التعليم قد يسبب لهن مشاكل أو العار، بينما يُشجع الذكور على الدراسة".

وتقترح في هذا الشأن ضرورة دعم الحكومة هذه الفئات مادياً، من خلال تقديم المساعدات والمنح، خاصة للفتيات اللواتي قد لا يتمكن من مواصلة تعليمهن بسبب الظروف الاقتصادية، مشيرة إلى أن القانون يقر بمجانية التعليم العمومي، إلا أنه في الواقع يتطلب مصاريف عديدة مثل الكتب والتسجيل والنقل وغيرها من المستلزمات.

         


        

واقع "يثير القلق"

في تشخيصها لواقع التعليم، تقول المربية زينة محمدي "واقع التعليم في تونس اليوم يثير القلق"، لافتةً إلى أن ظاهرة التسرب المدرسي تعد من أبرز الإشكاليات المطروحة، خاصة في المناطق الريفية، رغم أنها موجودة أيضاً في المدن ولكن بنسبة أقل.

وأوضحت أن من أهم أسباب الانقطاع المدرسي في الأرياف بُعد المؤسسات التربوية وغياب وسائل النقل، وهو ما يجعل وصول التلاميذ إلى المدارس صعباً، ويدفع بعض الأولياء إلى سحب أبنائهم من الدراسة خوفاً عليهم أو بسبب الظروف الصعبة.

وبينت أن بعض المناطق الريفية لا تزال تعاني من عادات اجتماعية تؤثر سلباً على تعليم الفتيات، حيث يتم أحياناً تزويجهن في سن مبكرة، أو توجيههن نحو العمل في الفلاحة خلال مواسم الحصاد، مؤكدة "المرأة الريفية تتحمل أعباء كبيرة داخل الأسرة والمجتمع، رغم استمرار النظرة الدونية تجاهها، وهو ما يعكس تناقضاً واضحاً بين واقعها ودورها الفعلي".

وتقول "معالجة هذه المشكلة تتطلب حلولاً شاملة، من بينها تعزيز التوعية، وتوفير مختصين اجتماعيين ونفسيين لمرافقة التلاميذ، وتحسين البنية التحتية، إلى جانب تفعيل دور الإعلام في نشر ثقافة أهمية التعليم".

وأكدت زينة محمدي أن المربين مدعوون إلى تخصيص حصص توعوية دورية لتشجيع التلاميذ على مواصلة الدراسة، معتبرة أن الشعوب المتعلمة هي الأكثر قدرة على التقدم والتطور.

وفيما يتعلق بالفتيات، شددت على ضرورة المساواة بين الذكر والأنثى، ورفض كل أشكال التمييز، مؤكدة أن الفتاة قادرة على النجاح وتحقيق ذاتها إذا توفرت لها الفرص والدعم اللازم.

هذا واتفقت كل الشهادات الواردة على أن واقع التعليم في تونس ما يزال يواجه جملة من التحديات، الأمر الذي ينعكس على جودة التعلم وفرص النجاح لدى التلاميذ.

وشددن على أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين تحسين ظروف التعليم، ودعم العائلات، وتطوير النقل والبنية التحتية، إلى جانب تعزيز التوعية داخل المؤسسات التربوية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ والتلميذات في مختلف الجهات.