صحفيات تونسيات: قضايا المرأة ليست ظرفية أو مرتبطة بمناسبة معينة

شددت صحفيات تونسيات على أن الإعلام مطالب بالانتقال من التغطية المناسباتية إلى معالجة مستمرة لقضايا النساء، بما يسهم في كشف الإشكاليات الحقيقية التي يواجهنها ويدعم مسار المساواة والعدالة الاجتماعية.

إخلاص الحمروني

تونس ـ اجمعت صحفيتان تونسيتان على أن تغطية قضايا المرأة ليست دفاعاً عن فئة بعينها، بل هي دفاع عن المجتمع ككل، لأن تعزيز حضور النساء في الإعلام يرسخ قيم المساواة والعدالة ويدعم مسار التنمية الاجتماعية.

في كل عام، تتجدد النقاشات حول أوضاع النساء في تونس مع حلول المناسبات المرتبطة بحقوق المرأة، وعلى رأسها الثامن من آذار/مارس الذي يصادف يوم المرأة العالمي، غير أن العديد من الصحفيات والناشطات والإعلاميات يؤكدن أن هذه القضايا لا ينبغي أن تظل رهينة التغطيات الموسمية أو الرمزية، لأن واقع النساء، سواء في المدن أو الأرياف، يطرح تحديات يومية تتطلب حضوراً إعلامياً دائماً يواكبها ويطرحها للنقاش العام.


         


        

تقول الصحفية هدى الجويني، مديرة إذاعة "كبسا أف أم" الجمعياتية بمحافظة قفصة، إن "قضايا المرأة في تونس تختلف باختلاف السياقات الجغرافية والاجتماعية، لكنها تلتقي في نقاط مشتركة عديدة"، مشيرةً إلى أن النساء في المناطق الريفية يواجهن تحديات مرتبطة أساساً بظروف العمل في القطاع الفلاحي والهشاشة الاقتصادية، إضافة إلى محدودية النفاذ إلى الخدمات الصحية وصعوبات الاندماج في منظومة الحماية الاجتماعية.

 

اختلاف التحديات بين المدن والريف

وأوضحت أن الإشكاليات في المدن قد تتخذ أشكالاً مختلفة، لكنها لا تقل أهمية، إذ تبرز قضايا مثل العنف المسلط على النساء والتحرش والبطالة، خاصة في المناطق الداخلية. ورغم التقدم التشريعي الذي حققته تونس مقارنة بالعديد من الدول العربية، من خلال سن قوانين تُعنى بحماية حقوق المرأة، فإن التحدي الأكبر، وفق قولها، يكمن في التطبيق الفعلي لهذه القوانين على أرض الواقع.

وتؤكد هدى الجويني أن "قضايا المرأة ليست ظرفية أو مرتبطة بمناسبة معينة، بل هي واقع يومي تعيشه النساء"، لذلك ترى أن تناولها إعلامياً يجب أن يكون مستمراً، من خلال إفساح المجال أمام النساء للتعبير عن آرائهن وتجاربهن وتسليط الضوء على الإشكاليات التي تمس حياتهن اليومية.

وتعتبر أن حصر هذه القضايا في مناسبات محددة يقلل من أهميتها ويحوّلها إلى موضوع رمزي بدل أن يكون قضية اجتماعية تستحق المعالجة الجدية، مشيرةً إلى ضرورة التركيز إعلامياً على وضع العاملات في القطاعات غير المنظمة، وخاصة في القطاع الفلاحي، حيث لا تزال أوضاعهن على حالها منذ سنوات، ودعت إلى تسليط الضوء على الفجوة في الأجور بين النساء والرجال، وقضايا الصحة النفسية والجنسية والإنجابية، إضافة إلى مسألة وصول النساء إلى مواقع القرار بوصفها قضية أساسية تستحق التناول العميق والمتواصل.

وترى أن هذه الموضوعات لا يجب أن تُستحضر فقط عند وقوع حادثة معينة أو خلال فترات الانتخابات أو في إطار التغطيات الظرفية، بل ينبغي العمل عليها بصورة مستمرة ودورية، بما يسمح بإبراز أبعادها الحقيقية وتأثيرها المباشر في حياة النساء والمجتمع، مؤكدةً أن التغطية اليومية لقضايا المرأة تساهم في تقديم صورة أكثر واقعية وتنوعاً عن أوضاع النساء، كما تساعد على كسر الصور النمطية التي غالباً ما تُختزل فيها المرأة.

 

دور الإعلام في رفع الوعي

ولفتت إلى أن التناول الإعلامي المستمر لقضايا النساء يقرب الصحفيين من الواقع اليومي للمرأة، ويساعدهم على فهم تفاصيل حياتها بشكل أدق، إلى جانب إبراز قصص نجاح قد تبقى غير مرئية. فهذه القصص تكشف الدور الأساسي الذي تؤديه المرأة في مختلف المجالات، سواء في الاقتصاد أو الثقافة أو الحياة الاجتماعية، فضلاً عن مساهمتها في دفع مسار التنمية داخل المجتمع.

وترى هدى الجويني أن الفائدة الأساسية من هذا النوع من التغطية تتمثل في رفع مستوى الوعي لدى المجتمع، ودعم مبدأ المساواة الفعلية بين النساء والرجال، كما يمكن لهذا الوعي أن يوجّه صناع القرار نحو تبني سياسات وتشريعات أكثر إنصافاً للنساء، مؤكدةً أن إبراز تجارب النساء يمكن أن يشكل دافعاً لنساء أخريات، ممن تصفهن بـ "الأغلبية الصامتة"، للمطالبة بحقوقهن وتعزيز حضورهن في الفضاء العام.


         


        

العنف السيبراني وتحديات الواقع

من جهتها، ترى الصحفية تبرة شيباني، من الإذاعة التونسية بمحافظة مدنين، أن قضايا المرأة في الريف والمدينة تتشابه في جوهرها رغم اختلاف بعض تفاصيلها، مشيرةً إلى أن العنف بمختلف أشكاله يظل من أبرز القضايا التي تستوجب تسليط الضوء عليها إعلامياً.

وأضافت "مظاهر العنف لم تعد مقتصرة على الجوانب الاقتصادية أو الجسدية واللفظية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبح العنف السيبراني ظاهرة متزايدة تمس النساء في المدن كما في الأرياف"، مؤكدةً أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، ومن بينهم وسائل الإعلام.

وتؤكد كما سابقتها، على أن التغطية الإعلامية لقضايا المرأة يجب ألا تكون مناسباتية أو مرتبطة بحدث معين، بل ينبغي أن تكون مستمرة ومتواترة تعكس حقيقة هذه القضايا وتواكب تطوراتها. فالإعلام، وفق قولها، يمتلك قدرة كبيرة على الإسهام في الحد من العنف المسلط على النساء، وطرح مختلف القضايا المرتبطة بالمرأة بفاعلية أكبر.

وتشير إلى أن العديد من الدول، ومن بينها تونس، تمتلك منظومة قانونية متقدمة نسبياً في مجال حماية حقوق المرأة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل هذه القوانين، وترى أن التغطية الإعلامية الدائمة يمكن أن تساهم في دعم تطبيق هذه التشريعات وتعزيز حماية النساء، داعيةً إلى تشجيع النساء، خاصة اللواتي لا يحظين بحضور كافٍ في وسائل الإعلام، على التعبير بحرية عن آرائهن وقضاياهن، بما يعزز مشاركتهن في الشأن العام ويدعم حضورهن الفاعل داخل المجتمع.

واختتمت حديثها بالتشديد على إن المرأة لا ينبغي أن تُحصر في صورة نمطية أو في زاوية اجتماعية ضيقة، بل يجب الاعتراف بدورها في مختلف المجالات، بما في ذلك مواقع صنع القرار.