رحلة شابة عراقية تثبت أن الإبداع لا يعرف مساراً واحداً
تعدد المسارات أحياناً كثيرة لا يعني التشتت ربما يكون رحلة لاكتشاف الذات والحياة، فلا يوجد ما يمنع الإنسان من تجربة أكثر من طريق والنجاح فيه، لكن المهم أن تكون هناك خطة وهدف واضح.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ في كل مرحلة تثبت فيها المرأة حضورها في ميادين الإبداع والنجاح، تؤكد قدرتها على الجمع بين الطموح والعلم والفن وصناعة التأثير، ومن بين هذه النماذج الشابة تبرز نور محمد البالغة من العمر 18 عاماَ فقط.
نور محمد الطالبة في كلية طب الأسنان، لم تكتفِ بمسارها الأكاديمي، بل صنعت لنفسها حضوراً لافتاً في مجالات متعددة، فهي رسامة للوحات تنطق بالجمال، وعازفة على آلتي الكيتار والبيانو بالاعتماد على السمع والموهبة الفطرية بعيداً عن الدراسة الأكاديمية، كما أنها تمتلك صوتاً شجياً وتجيد الغناء بموهبة تأسر من يستمع إليها.
موهبة متعددة المسارات
إلى جانب ذلك، تعمل نور محمد في المجال الإعلامي وصناعة المحتوى عبر منصاتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تمتلك قاعدة من المتابعين، ما أتاح لها المشاركة في برامج تلفزيونية، منها برنامج "يوز تالنت" على فضائية MBC العراق، فضلاً عن مشاركتها في فعالية TEDx Women بغداد عام 2024، التي فتحت لها فرصة العمل مع إحدى شركات الاتصالات.
تقول نور محمد عن تجربتها ومواهبها المتعددة، إضافة إلى تفوقها الدراسي في كلية طب الأسنان أن "الموسيقى بالنسبة لي موهبة فطرية من دون أي اجتهاد، وبعدها جاءت بقية المواهب مثل الرسم والإعلام، أول شيء جاء بعد الموسيقى هو الإعلام، إذ بدأت بنشر المحتوى على مواقع التواصل الافتراضي، ثم اتجهت بعدها مباشرة إلى الرسم ومشاركة أعمالي مع الجمهور".
وأضافت أن حبها للتجديد وعدم الاكتفاء بمسار واحد شكل جزءاً من شخصيتها منذ الصغر، مؤكدةً إدراكها لهذا الأمر منذ البداية "أحب التجديد ولا أحبذ الثبات على روتين واحد أو موهبة واحدة، لذلك أفضل التنويع في المهارات وملء وقتي بها".
وترى نور محمد نفسها فنانة تدرس الطب، موضحةً أن الفن لا يقتصر على الجوانب الترفيهية فقط، بل يمتد حتى إلى المجال الطبي، ففيه أيضاً فن "هذه حقيقة لا يدركها إلا القليل من الناس، لكنها بالنسبة لي حقيقة واضحة".
إدارة الوقت والتنظيم
وشددت على أهمية إدارة الوقت من خلال التنظيم الصحيح، فالأولوية تبقى للدراسة الأكاديمية، يليها الوقت الشخصي والاستراحة عبر ممارسة الرسم والموسيقى، ثم يأتي العمل الإعلامي الذي يحتاج إلى طاقة وحضور أمام الكاميرا.
ولكنها تضطر أحياناً للتخلي عن راحتها الشخصية من أجل المحافظة على جميع هذه المسارات، قائلةً إنه لا يوجد شيء يأتي بسهولة، فلا بد من التعب والتضحية، كما أن الظهور المستمر في الإعلام يفرض ضغوطاً كثيرة، خاصة على الشخص الحساس بطبيعته.
وعن أكثر الفترات إرهاقاً في حياتها، قالت إن مرحلة ما بعد السادس الإعدادي وبداية الدراسة الجامعية كانت من أصعب المراحل، لكنها تمسكت بالاستمرار لأنها لا تريد هدم ما بنته خلال سنوات طويلة بسبب فترة تعب مؤقتة، وأنها تحرص على أخذ فترات راحة متقطعة قبل العودة مجدداً إلى نشاطها، خاصة مع الدعم الكبير الذي تتلقاه من الجمهور ومحبة الناس لها.
وتابعت "أختار مقطعاً من أغنية أعزفه وأغنيه ثم أنشره، ويتفاعل معه الجمهور بشكل كبير، وكذلك الحال بالنسبة للوحات الفنية التي أنشرها عبر حساباتي".
دعم العائلة وتحديات المجتمع
وعن التحديات التي واجهتها، أكدت أن عائلتها كانت داعمة لها ولم تتدخل بشكل سلبي في حياتها، وأن التحدي الأكبر جاء من استغراب المجتمع لقدرتها على الموازنة بين دراسة الطب والحياة الإعلامية والمواهب الفنية، خاصة مع تفوقها الدراسي وكونها من الأوائل في الكلية.
وفي حديثها عن تعدد المسارات، رفضت نور محمد وصف الأمر بالتشتت، معتبرةً أنه رحلة لاكتشاف الذات والحياة "لا يوجد ما يمنع الإنسان من تجربة أكثر من طريق والنجاح فيه، لكن المهم أن تكون هناك خطة وهدف واضح، وإلا سيتحول الأمر فعلاً إلى تشتت".
أما عن المشروع الذي تفخر به أكثر من غيره، فأشارت إلى عزفها على الكيتار والبيانو، معتبرةً أن كونها امرأة عراقية تعزف الكيتار يمثل حالة مميزة ونادرة نسبياً في المجتمع العربي.
وعن رؤيتها للمستقبل، قالت نور محمد "لا أرى نفسي ثابتة في مكان واحد، بل أرى نفسي في أكثر من مجال وفي أوقات مختلفة. الفن هو شخصيتي وهويتي، وإذا تركته فكأنني أتخلى عن ذاتي، أما الطب فهو دراستي الأكاديمية التي تعبت من أجلها سنوات طويلة، والإعلام يمثل أيضاً مجالي المهني".
وأكدت إمكانية دمج هذه المسارات معاً، من خلال تقديم محتوى شبابي يجمع بين الطب والفن والإعلام، خاصةً في ظل وجود الكثير من المعلومات التوعوية التي يحتاجها المجتمع، لكنها ما تزال تفكر في الطريقة الأنسب لتقديمها.
وعند سؤالها عن المجال الذي لا يمكن أن تتخلى عنه، أكدت أن الموسيقى تبقى الأقرب إلى هويتها الشخصية، قائلةً إنها "مستحيل أن تتخلى عنها".
واختتمت نور محمد حديثها برسالة وجهتها إلى أبناء وبنات جيلها "أعطِ كل شيء حقه، اجعل الأولوية لدراستك، وبعد التعب خذ قسطاً من الراحة وطور موهبتك التي تحبها، بهذه الطريقة ستصل إلى ما تريده وتحققه".
كطط|