رحلة كفاح ملهمة... شابة مصرية كفيفة تحوّل الألم إلى أمل
تدخل الإعاقة الكثيرين في دوامة من اليأس لكن بالدعم والمساندة، وكذلك الإرادة، تتحول إلى دافع قوي للكثير من النساء والفتيات.
إيمان سمير علي
مصر ـ في رحلة إنسانية ملهمة امتزج فيها الصبر بالقوة، استطاعت زينب بدر، ابنة محافظة أسيوط، أن تحوّل الإعاقة البصرية والفقدان المتكرر إلى طاقة أمل وعطاء.
منذ طفولتها المبكرة، عانت زينب بدر من مرض وراثي نادر تسبب في فقدانها البصر تدريجياً، كما فقدت والديها واثنين من أشقائها في ظروف قاسية، ورغم تلك التحديات، تمكّنت من تجاوز محنها وتحويل تجربتها الشخصية إلى قصة نجاح، لتصبح نموذجاً ملهماً في مجال تدريب الحاسوب لذوي الإعاقة البصرية.
بدأت رحلتها مع الإعاقة في سن السادسة، عندما اكتشفت أسرتها حالتها الصحية، وتوجّهت إلى عدد من الأطباء في مدينتي أسيوط والقاهرة، حيث أجمعت التشخيصات على إصابتها بمرض وراثي نادر يُعرف باسم التهاب الشبكية الصباغي.
ورغم صعوبة البدايات، لم تستسلم زينب بدر للتحديات، وبدعم كبير من أسرتها، واصلت مسيرتها التعليمية، فأكملت المراحل الثلاث الابتدائية والإعدادية والثانوية، حتى حصلت على الدبلوم الفني الزراعي، قسم أمناء المعامل، وتقول في هذا السياق "كنت أتطلع إلى استكمال دراستي في المعهد الإرشادي الزراعي، إلا أن المعهد لم يكن يقبل سوى المبصرين، ومع تدهور حالتي الصحية تعذّر التحاقي به".
بعد ذلك، توجّهت إلى أحد المراكز التعليمية المتخصصة في تعليم المكفوفين بمحافظة أسيوط، حيث بدأت العمل على تطوير ذاتها، خاصة في مجال تدريب الحاسوب، والتحقت بعدد من الدورات التدريبية، من أبرزها دورات خدمة العملاء (Call Center)، وفي الوقت نفسه بدأت تقديم دورات تدريبية في الحاسوب للمكفوفين.
وتوضح أنها تعمل في مجال تدريب الحاسوب للمكفوفين منذ خمس إلى ست سنوات، وقد قامت بتدريب عدد كبير من داخل محافظة أسيوط وخارجها، ومن محافظات مختلفة، بل ومن دول عربية أخرى، مشيرةً أن جميع تدريباتها تُقدَّم حالياً عن بُعد (أونلاين)، مع التخطيط لتقديم تدريبات حضورية (أوفلاين) خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بالحركة والتنقل، تؤكد زينب بدر أنها تتلقى دعماً كبيراً من أسرتها وأصدقائها، وعلى رأسهم صديقتها المقرّبة أسماء عصام، التي ترافقها وتساندها منذ الصغر، إلى جانب شقيقاتها، وهو ما شكّل لها مصدر أمان ودعم حقيقي.
ورغم انشغالها بالعمل، ظل حلم التعليم يراودها، فالتحقت بمدرسة النور للمكفوفين، حيث أنهت الصفين الأول والثاني الثانوي بتفوق، وكانت من أوائل الطالبات، وهي حالياً في المرحلة الثانوية النهائية، وتتمنى أن تكون من المتفوقين هذا العام أيضاً.
وعلى الصعيد الإنساني، مرّت بظروف صعبة، إذ فقدت اثنين من أشقائها ووالديها. بدأت الفاجعة بوفاة شقيقها الأكبر إثر إصابته بفيروس كورونا، ثم توفي والدها بعده بعام وأربعة أشهر، ثم فقدت شقيقها الآخر بسبب مرض كلوي، وبعدها بفترة قصيرة توفيت والدتها، وقد مرّ على وفاتها عام كامل، مؤكدة أن هذه المحن، رغم قسوتها، لم تكسرها، بفضل الدعم الذي تلقته من أشقائها الآخرين وأصدقائها وجيرانها وكل من أحاطوها بالمساندة.
ومن منطلق تعزيز الصحة النفسية والجسدية، اتجهت زينب بدر إلى ممارسة الرياضة، نظراً لحبها للكاراتيه، حيث التحقت بنادي أسيوط الرياضي، وحصلت على الحزام البرتقالي، وتطمح إلى الوصول إلى الحزام الأسود.
ومن أبرز محطات حياتها، صدور توجيه من محافظ أسيوط بتعيينها تقديراً لقصة كفاحها وإلهامها، وبالفعل، تسلّمت عملها في مدرسة النور للمكفوفين، وتبدأ مهامها مع بداية الفصل الدراسي الجديد، حيث تعمل مع الأطفال في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وتركّز على تعليمهم أساسيات الحاسوب، وطريقة برايل للقراءة، والمهارات التكنولوجية الأساسية، بهدف تمكينهم وبناء ثقتهم بأنفسهم.
وتختتم زينب بدر حديثها بالقول "أحلم بأن أكون سبباً في مساعدة أي شخص، سواء كان كفيفاً، أو من ذوي الهمم بمختلف أنواع الإعاقات، أو حتى شخصاً مبصراً، على التعامل مع الحاسوب والتكنولوجيا بشكل أفضل، وأن أزيل حاجز الخوف والرهبة من استخدام الوسائل الإلكترونية، وأسهم في تمكينهم معرفياً ومهنياً".