قيادة المرأة للسيارة في اليمن... بين قانون يسمح وقيود المجتمع
لا تبدو قضية قيادة المرأة للسيارة في اليمن مجرد موضوع مروري، بل تعكس صراعاً أوسع حول موقعها في المجال العام، فكل امرأة تجلس خلف المقود لا تقود سيارة فقط، بل تخوض تجربة مواجهة مع صور نمطية متجذرة عن الأدوار الاجتماعية.
رحمة شنظور
اليمن ـ على الورق، لا يمنع القانون اليمني المرأة من قيادة السيارة أو الحصول على رخصة قيادة بشكل رسمي، دون أي تمييز بينها وبين الرجل في هذا الحق. لكن القيود الاجتماعية لا تزال تمثل العائق الأكبر أمام الكثير من النساء الراغبات في القيادة.
ففي كثير من المناطق، تتفوق التقاليد على النصوص القانونية، هناك تواجه السائقات واقعاً مختلفاً تحكمه نظرة المجتمع أكثر من القوانين، وتُختبر فيه المرأة يومياً ليس فقط كقائدة سيارة، بل كفكرة تخالف ما اعتاده البعض.
ولا تتوقف التحديات عند النظرة فقط، بل تمتد إلى التعليقات المباشرة في الشارع، والتشكيك في القدرة على القيادة، وأحياناً مضايقات لفظية تزيد من الضغط النفسي على السائقات. ويأتي هذا في بيئة مرورية تعاني أصلاً من ضعف التنظيم وغياب الانضباط في بعض المناطق، ما يجعل التجربة أكثر تعقيداً.
في هذا التقرير، نرصد شهادات نساء يمنيات اخترن القيادة رغم الأنظار، ويروين تفاصيل المضايقات التي يواجهنها، في مجتمع لا يزال في طور تقبل فكرة "امرأة خلف المقود".
مضايقات يومية في الشارع
تقول إشراق أحمد، وهي مواطنة يمنية تقود سيارتها بانتظام، إنها تواجه مضايقات متكررة بسبب قيادتها للسيارة وأنها اعتادت على سماع التعليقات الجارحة أثناء قيادتها "أواجه الكثير من المضايقات بسبب سواقتي في اليمن، بعض الشباب يقولون إن مكان المرأة البيت ولا يجب أن تخرج".
وتضيف أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالقدرة على القيادة بحد ذاتها، بل بالنظرة المجتمعية "القيادة ليست حراماً ولا عيباً بحق المرأة، وليست حكراً على الرجال فالمرأة تستطيع القيادة والقيام بالكثير من الأمور".
وتشير إلى أن المشكلة تتفاقم بسبب غياب نظام مروري منظم، إذ أن بعض المبتدئات قد يقدن في أماكن مزدحمة دون خبرة كافية، مما يزيد الانتقادات "بعض الناس يقولون كيف امرأة تسوق، رغم أن هناك نساء لديهن خبرة ويقدن السيارة بشكل جيد. لكن في المقابل توجد مبتدئات، وبعضهن قد يقدن في أماكن مزدحمة دون خبرة كافية، ومع غياب نظام مروري منظم في اليمن تحدث بعض المشاكل، وهذا ما يزيد الانتقاد".
تطور تدريجي
من جانبها، ترى الإعلامية سالي المخلافي أن قيادة المرأة بدأت تشهد تطوراً ملحوظاً، لكنها ما تزال تواجه تحديات مجتمعية "هناك نساء كثيرات أصبحن يمتلكن سيارات ويقدنها، وهذا تطور واضح"، قائلة "المجتمع ما زال غير متقبل تماماً لفكرة أن المرأة تقود سيارة، ويرى بعضهم أنها أكثر عرضة للارتباك أو الخوف في المواقف الصعبة".
وتعتبر سالي المخلافي أن المسألة "مرتبطة بنظرة المجتمع للمرأة بشكل عام. فإذا كان المجتمع لا يتقبل عمل المرأة أو مشاركتها في الحياة العامة، فمن الطبيعي أن يرفض أيضاً قيادتها للسيارة".
ازدواجية المعايير
أما الطالبة الجامعية معالي أحمد، فتصف واقعاً تعيشه يومياً، يتجلى في التناقض الواضح في التعامل مع أخطاء القيادة "الرجل قد يُسامح إذا أخطأ في القيادة، بينما تُنتقد المرأة بشكل أكبر. هناك حكم مسبق عليها، وكأنها غير مؤهلة من الأساس".
وتضيف أن المجتمع اليمني "عموماً لا يتقبل أن تقود الفتاة سيارة، حتى لو كانت تعرف"، مشيرة إلى أن التعليقات المهينة مثل "أنك لا تعرفين القيادة" أو "قيادتكن سيئة" أصبحت مألوفة للسائقات.
ومع ذلك، تشير شهادات النساء إلى أن التغيير، وإن كان بطيئاً، بدأ يحدث. فانتشار التعليم، ودخول النساء إلى سوق العمل، وتغير أنماط الحياة في المدن، كلها عوامل تسهم في إعادة تشكيل النظرة التقليدية تدريجياً.
وبين القبول والرفض، تبقى قيادة المرأة في اليمن مساحة مفتوحة للنقاش، تعكس مجتمعاً يعيش مرحلة انتقالية بين الماضي والتغيير، وبين ما هو مألوف وما أصبح واقعاً جديداً يفرض نفسه على الطرقات كل يوم.