نساء غزة: إصلاح الخيام المهترئة يفوق قدرتنا المادية
معاناة النساء مضاعفة في قطاع غزة فمكان المأوى غير أمن، والخيمة مهما تم إصلاحها وثبتت أوتادها بالأرض تبقى غير صالحة للسكن، ولا تتمكن النساء من إشعال النار فيها للتدفئة أو لصنع الطعام.
رفيف إسليم
غزة ـ تعاني نساء في قطاع غزة من مشكلة اهتراء الخيام وتحولها لقطع قماش أو بلاستيك بالية لا تصلح للاستخدام، فبات إصلاحها مهمة يومية لا يوجد مفر منها خاصة مع حالات المناخ المتقلبة فتارة شمس حارقة ثقبها وتارة أخرى منخفضات جوية تقتلعها من مكانها.
في قطاع غزة المحاصر، تعيش آلاف النساء في خيام مهترئة تحولت مع مرور الوقت إلى قطع قماش وبلاستيك لا تقي حرًّا ولا بردًا. بين رياح عاتية تقتلع الأوتاد، وشمس حارقة تثقب السقف، وأمطار تتسلل إلى الفراش، تخوض النساء معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من مأوى لا يصلح للسكن. وسط هذا الواقع القاسي، تتجسد قصص لنساء فقدن بيوتهن وأمانهن، وأصبحن يواجهن وحدهن أعباء الحياة والخوف المستمر من النار والبرد والمرض، في انتظار حل يعيد إليهن حقهن في حياة كريمة.
فاطمة دياب، تعيش في خيمة تمتلئ بالثقوب من كل مكان نتيجة القصف المستمر وحالات الطقس، والقوارض التي تغزو مدينة غزة فباتت عبارة عن مجموعة من قطع القماش الموصلة التي تتكئ على أعمدة حديدية يحتاج المار عبرها لإحناء ظهره بشكل كامل إلى حين جلوسه وإذا ما جاءت رياح عاصفة تقتلعها من مكانها وتطير بها لمكان بعيد إلا إذا ما تداركت العائلة الأمر وأمسكت بها لتثبيتها.
هذه المرأة الأربعينية، فقدت زوجها في هجوم عام 2014 على قطاع غزة، وبقي لها طفلان عكفت على رعايتهما، كانت تعطف على المساكين من لا مأوى ولا مصدر دخل لهم كونها تعمل معلمة في أحد المدارس الحكومية بالقطاع، لكنها اليوم لا تجد أحد بإمكانه تقديم المساعدة لها فمنزلها الذي كان يقع على شاطئ البحر تحول لخيمة بالية في أحد مخيمات المدينة المحاصرة.
تروي، أنها قبل عدة أيام كانت بحاجة لإعداد الطعام فكونها لا تمتلك شعلة لإشعال النار استعارت من جارتها بعض الجمر لتشعل به فسقطت جمرة على الخيمة وامتدت ألسنة النيران لداخل خيمتها وحرقتها، لافتةً أنها حينها لم تستطع فعل شيء سوى الصراخ والبكاء كونها أيقنت أن مصيرها سيكون الموت حرقاً فهب الجيران لنجدتها وأخرجوها منها، لكن الخيمة ومحتوياتها تضررت بشكل كبير وذلك زاد من تراكم الأعباء عليها.
يحتاج إصلاح الخيمة تكلفة مادية تفوق قدرة النازحات على توفيرها، وتوضح فاطمة دياب أنها كي تمنع تسرب المياه لداخل الخيمة غطتها بثلاث شوادر كل شادر يبلغ ثمنه 50 دولار، عدا الفراش الذي يبتل ويصبح غير صالح للاستخدام فتضطر لشراء غيره، مبينةً أن ذلك الوضع الذي تعيش به يجعلها أكثر عرضة للفيروسات خاصة أنها مصابة بأمراض مزمنة كالسكري والغدة الدرقية الأمر الذي يجعل جسدها أكثر جاهزية عن سواه لاستقبال الأمراض.
ترى فاطمة دياب أن الخيمة مهما تم إصلاحها وثبيت أوتادها بالأرض تبقى غير صالحة للسكن، فالهدف من صنعها هو نصبها لقضاء رحلة سواء على شاطئ البحر أو في الغابات، فهي لم تصنع لتعاش داخلها حياة كاملة لسنوات، مشيرةً أن الحل لما تعايشه النساء من مشكلات هو دخول الكرافانات والتخلص من قطع القماش التي تمتد على طول مساحة قطاع غزة بدلاً من البيوت الأسمنتية التي دمرها الهجوم.
مخاطر يومية تهدد حياة النساء والأطفال
أما منال نور، فتبين أنها في كل منخفض جوي أو عند نشاط الرياح لا تبقى خيمتها في مكانها على الرغم من تثبيتها بشكل متين في الأرض إلا أنها تطير بالهواء كبالون، فتركض هي وأبنائها لتعيدها لمكانها، مشيرةً أن المشهد يكون مضحك مبكي، وحاجيتها الشخصية تنثر بالأرض على طول تلك المساحة مما يستنزف الكثير من وقتها وجهدها إلى أن تعيد الثبيت وترتيب مقتنياتها الشخصية كما كانت.
الوضع المادي للعائلات في قطاع غزة، متردي للغاية بسبب عدم وجود دخل ثابت فكيف إذا ما فرض عليها مصروف أخر يقارب 150 دولار أسبوعياً أو عند حلول كل منخفض جوي لإصلاح الخيام البالية، مضيفةً أنها لا خيار لديها فإذا لم تقوم بإصلاحها وشراء ما يلزم أين ستعيش، فلا مأوى سوى تلك الخرق البلاستيكية البالية.
وتبين أن النساء في كافة أقطاب العالم عندما يحل منخفض جوي يلتزمن منازلهن ولا يخرجن حتى ينتهي، لكن نساء قطاع غزة عندما تسوء حالة الطقس وتنخفض درجات الحرارة لا تجدن مكان تجلسن فيه، لا يستطعن إشعال النار للتدفئة خوفاً من حرق الخيمة، كما لا يقوين على صنع شراب دافئ، وما يزيد تلك الكارثة أنهن مجبرات على دفع النقود في شيء سيتلف بعد أيام.
وأوضحت أن الكثير من النساء وأطفالهن فقدن حياتهن في الآونة الأخيرة نتيجة إشعال النار في الخيام واحتراق طرفها فامتد الحريق من خيمة لأخرى والتهمت النيران عشرات الخيام، فتتوفين وهن نيام، الأمر الذي استهلك الصحة النفسية لبقية النساء في المخيم وأدخلهن في حيرة دائمة ماذا يفعلن كون لا شيء بأيديهن سوى أن ينتظرن إعادة الإعمار أو دخول البيوت المتنقلة علها تحميهن من المطر والريح.