نازحة فلسطينية تعيد صناعة "سلة جدتها" بحبال صناديق المساعدات
من قلب الحصار في غزة، حولت النازحة نهال حويحي حبال المساعدات البلاستيكية إلى أدوات تراثية ووسائل عيش حيوية، متحديةً قسوة اللجوء وفقدان الممتلكات بابتكار مستدام يحيي فكرة "سلة ستي زمان".
رفيف اسليم
فلسطين ـ قامت نهال حويحي، باستحضار فكرة "سلة ستي زمان" مرة أخرى بعد نزوحها من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، وفقدانها لكافة أدواتها التي كانت تساعدها في إتمام أمورها الحياتية، مستبدلة فكرة القش بحبال المشاطيح التي تثبت عليها البضائع والمساعدات التي تدخل للمدينة المحاصرة لتنتج سلال، أسرة أطفال، وخزانات بسيطة وحاضنة زراعية، وخزانة ملابس والعديد من الأدوات الأخرى.
خطرت لها الفكرة عندما بدأ صغيرها بتجميع الكرتون وتلك الحبال لإشعال النار بعد انقطاع غاز الطهي وحاجتها الماسة لصنع الطعام أو بعض المشروبات، لكن عندما أشعلتها أول مرة اختنقت هي وجاراتها وطلبن منها عدم استعمالها مرة أخرى، لتستجيب هي على الفور وتكف عن إشعالها مما أحزن الصغير الذي جمع كميات كبيرة منها كان مصيرها إعادتها من حيث أتت.
ابتكار يعوض فقدان الممتلكات
وتقول نهال حويحي "الحاجة أم الاختراع"، فالفكرة جاءت وليدة النزوح الذي أفقد النساء كافة ممتلكاتهن، فكان الذهاب للسوق أزمة تحتاج حل خاصة مع غياب الأكياس القماشية التي كانت تستخدمها من قبل، فخطر على بالها سلة جدتها التي كانت تأخذها للسوق وتجمع داخلها الخضروات والفاكهة واللحوم، وبالفعل أنتجت سلتها الأولى مستبدلة القش بالبلاستيك، مشيرة إلى أنها بعد التجربة أيقنت ضرورة إجراء بعض التغيرات عليها كإضافة حماية لليدين ليسهل حملها.
وتروي أنه لا يمكن الجزم بأن الأمر سهل ويمكن نجاحه من المرة الأولى فتلك الحبال تشبه الشفرات وإذا ما تمكنت من اليد ستجرحها جروح عميقة، لذلك الحذر هو الشرط الأول خلال العمل، خاصة عند الانتقال لاستعمال الأدوات الحادة الأخرى في القطع أو التثبيت كالمشرط والقطاعة، لافتة إلى أنها خلال عملها أصيبت عدة مرات وفكرت بالتخلي عن العمل، لكن الممارسة أكسبتها الخبرة في التعامل مع الحبال.
استعلمت نهال حويحي، تلك الحبال فتحولت بين يدها لسرير طفل يمكن للأم بالفعل أن تنيم الصغير داخله، كما أنتجت عشرات السلال التي استخدمتها هي وجارتها في شؤون حياتهم اليومية، وأعدت الأطباق، والحاويات التي زرعت داخلها عدة شتلات من النعنع والريحان ونجحت بالفعل، بل وصل الأمر لصناعة خزان مياه وغلفته بكيس بلاستيكي لمنع التسرب من الداخل، مضيفة أنها لم تتوقف هنا فصنعت بما يشبه السجاد للأرض وأعدت خزانة ملابس وسرير، وطاولة.
وتضيف "كنت أجمع الحبال من مراكز توزيع المساعدات مجاناً لكن ما إن علم الصغار حتى أصبحوا يتسابقون لجمعها من ثم يأتون بها إلي".
واجهت نهال حويحي، مشكلة أخرى خلال عملها وهي اللون الثابت لتلك الحبال وهو الأخضر الذي لا يتغير فأصبحت إن تواصلت معها عروس تريد صنع سلال لحنتها باللونين الأحمر والأسود التراثي تعتذر منها، وكذلك إن طلب لون أبيض أو أزرق لصنع سلة لمولود في أسبوعه لا تستطيع، على الرغم من قدرتها على تنفيذ المهمة بدقة وسرعة عالية، مبينة أنها ذهبت إلى السوق وبحثت لتشتري لكنها لم تجد سوى كمية ضئيلة يمكنها الترويج بها لا إنهاء المهمة كاملة.
إحياء الحرف التراثية
ولاقت تشجيع واسع من النساء اللواتي ذهلن مما شاهدن عندما زرنها لأول مرة في خيمتها، ومن ثم من أهلها الذين وجدوا منتج يسهل عليهم الكثير من المهام المنزلية بسعر يواءم مع قدرتهم المادية، مؤكدة أن تلك المنتجات قد تكون مناسبة مادياً لكنها تحتاج لقوة بدنية وذهنية كبيرة.
تستعين نهال حويحي، بأدوات أخرى مع الحبال كإدخال الخشب مع سرير الطفل كي تستطيع الأم الهز كم تزود اليدين الخاصة بالسلال بالبلاستيك لتسطيع السيدة حملها، متمنية أن تشاهدها النساء وتدعمها كي تنجح بتوفير فرصة عمل ليس لها وحدها بل للعديد من النساء اللواتي فقدن مصدر رزقهن أو معيلهن عبر العودة إلى التراث وربط الحاضر بالماضي.