من دارفور ناشطة عراقية تؤكد: الوضع الإنساني سيئ للغاية في مناطق النزاع

وكلت الناشطة العراقية نوف عاصي بمهمة إلى دارفور في ظل النزاع الذي تشهده المنطقة، مؤكدةً أن "العمل الإنساني في مناطق النزاع جميل وصعب في آن واحد، ويتطلب مرونة وشجاعة وانفتاحاً".

رجاء حميد رشيد

العراق ـ تعمل نوف عاصي في مجال الإغاثة الإنسانية الطارئة، متخصصة في برامج حماية وتمكين المرأة في حالات الطوارئ، وتوجد حالياً في إقليم دارفور في السودان ضمن مهامها الميدانية، التي اعتادت من خلالها العمل في مناطق النزاعات والأزمات الإنسانية في عدة دول.

تقول نوف عاصي أنها غالباً ما تكون ضمن المستجيبين الأوائل في حالات الطوارئ، حيث يتم إرسالها مع الفريق الأول لتأسيس العمل الإنساني، وبناء البرامج، وتثبيت الخدمات الأساسية إلى حين استقرار الأوضاع.

وتقول "نصل في البدايات، نؤمن الخدمات، ونضمن استمراريتها إلى أن تتمكن الفرق المحلية من إدارتها".

 

مهمة في قلب النزاع

وجاءت مهمة نوف عاصي إلى دارفور في ظل النزاع الذي يشهده السودان، حيث أجرت استطلاعاً ميدانياً لتحديد أبرز التحديات التي تواجه النساء والفتيات، وعلى أساسه بدأت بتصميم برنامج الحماية المناسب، وتشير إلى أنها حالياً في مرحلة بناء الفريق، تمهيداً لتقديم خدمات تسهم في دعم النساء والفتيات والتخفيف من معاناتهن قدر الإمكان.

 

جذور شخصية وعائلية

وعن الدوافع التي قادتها إلى هذا المجال، قالت إن نشأتها في العراق، بين حربين ونزاعات متتالية، كان لها الأثر الأكبر "جيلنا ولد في زمن عاش الحروب، وكان العمل الإنساني هو المساحة التي وجدت فيها نفسي وقدرتي على التعبير".

كما تشير إلى تأثير عائلتها في مسيرتها، فوالدتها كانت متطوعة كممرضة خلال فترات الحرب، ووالدها مدرس لغة عربية شارك في حملات في سبعينيات القرن الماضي بعدة دول، إضافة إلى شقيقتها الكبرى التي كانت ناشطة ومتطوعة مع منظمات إنسانية، من بينها الهلال الأحمر العراقي، وتؤكد أن هذه البيئة جعلت انخراطها في العمل الإنساني أمراً طبيعياً ومفهوماً لدى عائلتها.

 

من التطوع إلى الاحتراف الدولي

بدأت نوف عاصي العمل التطوعي منذ صغرها، بالتزامن مع تنامي النشاط الإنساني في العراق بعد أحداث عام 2003، وقبل دخولها الجامعة وخلال دراستها الجامعية، شاركت في العديد من المبادرات، من بينها مشروع إنشاء مكتبة للأطفال في مستشفى الطفل المركزي في بغداد، خاصة لمرضى السرطان، حيث كانوا يقضون وقتاً مع الأطفال، يدعمونهم نفسياً ويساعدونهم في الدراسة.

وبعد تخرجها عملت مع منظمة عراقية، وأسهمت في تطوير عدد من المشاريع، أبرزها مشروع "بغداد دار السلام"، الذي استمر لعشر سنوات، وركز على تعزيز العمل التطوعي ونشر ثقافة السلام بين الشباب، وتطوير مواهبهم، قبل أن ينتشر في عدة محافظات عراقية، ويعرف لاحقاً باسم (IQ Peace).

لاحقاً، تخصصت في برامج تمكين المرأة، وانتقلت تدريجياً من العمل المحلي إلى العمل الدولي، حيث عملت في العراق، وجنوب السودان، وخلال الأزمة السورية، قبل أن تتخصص أكثر في مجال الطوارئ، الذي يتطلب سرعة في الاستجابة وتصميم البرامج خلال فترات زمنية قصيرة.

وخلال مسيرتها، عملت في دول عدة، من بينها بنغلادش، واليمن، وليبيا، وزيمبابوي، وأفغانستان، والسودان، وعملت كذلك على تأسيس برنامج الحماية في غزة.

 

تحديات المرأة في العمل الإنساني

وعن التحديات التي واجهتها، تؤكد نوف عاصي أن المرأة في هذا المجال تواجه صعوبات تتعلق بالتقبل المجتمعي، وطبيعة العمل المتنقل، وعدم الاستقرار، وهي أمور غالباً ما تُقبل بسهولة أكبر حين يكون العامل رجلاً، لكنها تشير إلى أن دعم عائلتها كان عاملاً أساسياً في تجاوز هذه التحديات.

ولفتت إلى أن من أبرز الصعوبات التي واجهتها كانت متعلقة بجواز السفر العراقي، وصعوبات الحصول على التأشيرات، إضافة إلى "القيود الثقافية في بعض البلدان، خاصةً حين تكون في موقع قيادي، في بعض الثقافات، من الصعب تقبل أن تكون المديرة امرأة"، مشيرةً إلى أنها تحاول تجاوز ذلك بروح مرنة، وبناء علاقات إنسانية مع فرق العمل، وخلق بيئة متعاونة رغم قسوة الظروف.

 

واقع إنساني قاسٍ في دارفور

وتصف نوف عاصي الوضع الإنساني للنساء والفتيات في دارفور بأنه سيئ للغاية، حيث تعاني النساء من ظروف قاسية داخل المخيمات، وتتعرض الكثيرات منهن لمخاطر جسيمة، أبرزها العنف والعنف الجنسي، وتؤكد أن حجم الاحتياجات هائل، في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة، وقلة الجهات العاملة بسبب ضعف التمويل.

 

مخاطر يومية وتجارب صعبة

وتشير نوف عاصي إلى أنها تواجه مواقف صعبة بشكل يومي، خاصةً في المناطق غير الآمنة، وأنها سجلت حديثها هذا بعد إصابتها بمرض التيفوئيد نتيجة تلوث المياه، في ظل انتشار أمراض مثل الملاريا والكوليرا، وتدهور الوضع الأمني، وصعوبة الطرق التي قد تستغرق أياماً طويلة للوصول إلى بعض المناطق.

وتضيف أن العيش في بيئات بدائية، والنوم في الخيام لأشهر، والتعامل مع ظروف قاسية، من بينها الحشرات والعقارب، ليست أموراً يستطيع الجميع تحملها، لكنها جزء من واقع العمل الإنساني في مناطق النزاع.

 

مواقف إنسانية لا تُنسى

وعن أكثر التجارب تأثيراً في مسيرتها، تروي نوف عاصي موقفاً حدث معها في أحد المخيمات، عندما اقتربت منها طفلة في التاسعة من عمرها، واحتضنتها باكية، لشعورها بالأمان "جلست في حضني حتى هدأت، وروت لي قصتها المؤلمة"، مؤكدةً أن هذه اللحظات الإنسانية تبقى محفورة في الذاكرة، وتشكل دافعاً للاستمرار.

 

دروس حياتية

وأشارت إلى الدروس التي تعلمتها من عملها، أبرزها الصبر، والقدرة على التكيف، وتقدير التفاصيل البسيطة في الحياة، والتواضع، وفهم الناس، وأهمية الدعم النفسي للعاملين في هذا المجال، كما تؤكد أن اللجوء إلى العلاج النفسي ليس عيباً، بل ضرورة في ظل ما يواجهه العاملون الإنسانيون من ضغوط وتجارب قاسية.

وأكدت نوف عاصي في ختام حديثها أن "العمل الإنساني في مناطق النزاع جميل وصعب في آن واحد، ويتطلب مرونة وشجاعة وانفتاحاً، لكنه يمنح في المقابل مكافأة روحية لا تُقدّر بثمن رغم قسوته".