من بين الركام هبة الجرادي تشق طريقاً لنساء اليمن في عالم البناء
وسط دمار الحرب وتحديات المجتمع، شقت هبة الجرادي طريقها في عالم الهندسة والمقاولات، محولة شغفها إلى مشروع يعيد إعمار البيوت ويغير نظرة المجتمع لدور المرأة، لتصبح نموذجاً يمنياً في الإصرار وصناعة الأثر.
رحمة شنظور
اليمن ـ وسط أنقاض البيوت المدمرة في اليمن، تخرجت المهندسة الشابة هبة الجرادي 26 عاماً، بفكرة غير تقليدية؛ إذ حولت البيوت المهدمة إلى مشروع استثماري واعد، لتفتح بذلك الباب أمام نساء يمنيات لدخول عالم الهندسة والمقاولات، الذي كان حتى وقت قريب حكراً على الرجال.
شغف منذ الطفولة... وهندسة رغم رغبة الأسرة
منذ أيام دراستها الجامعية، كانت هبة الجرادي تؤمن أن العقارات والاستثمار في البناء أفضل من أي وسيلة أخرى لإنتاج قيمة حقيقية. وتقول إن "الهندسة كانت هواية منذ الطفولة، منذ الثانوية العامة وأنا محددة هدفي. تخصص الهندسة أساساً يجعلك تفيد الناس من خلال بناء المستشفيات والمدارس، فالمهندس هو أساس المجتمع".
وأضافت "في البداية، كانت الأسرة ترى أن هذا التخصص للأولاد ولا يناسب الفتيات تم تسجيلي في البداية لدراسة الترجمة، لكن رغبتي كانت أقوى، فدرست التخصصين معاً ترجمة لإرضائهم، وهندسة لإرضاء حلمي".
تعز المدمرة... شرارة البداية
بعد تخرجها، عادت هبة الجرادي إلى مدينة تعز لتجد واقعاً مختلفاً، حيث دمرت الحرب أجزاء واسعة من المدينة "كنا نازحين، وعندما عدنا بعد أن هدأت الحرب، رأيت المدينة مدمرة. هنا بدأت الفكرة".
ومن هنا انطلق مشروعها الأول برنامج تدريبي يستهدف النساء لتعليمهن ترميم البيوت الداخلية والتصميم الداخلي، تحت اسم "عالم الديكور والجمال". سرعان ما لاقى البرنامج إقبالاً واسعاً، خاصة من النساء، ليكون نقطة انطلاق حقيقية لمشروع أكبر.
وعن تلك الفترة، تقول "بدأت أتلقى رسائل على فيسبوك من نساء يسألن بيتي مدمر، فيه مضاد طيران، فيه قذيفة، كيف أصلحه.. ولأن المادة المالية كانت ضعيفة عندهن، كن يرغبن في استشارة ليعملن بأنفسهن".
وهنا كان التحول الحقيقي "بدأنا بدورات بسيطة لتعليم النساء كيف يصلحن منازلهن بأنفسهن كان الإقبال كبيراً جداً، وأصبحت النساء ترسل لي الصور وهن يصلحن بيوتهن بعدها بدأنا باستلام مشاريع أكبر".
سرعان ما تحول هذا الجهد البسيط إلى حالة واسعة من التفاعل نساء بدأن بإصلاح منازلهن، يوثقن النتائج، وينقلن التجربة لغيرهن ومع هذا الإقبال، توسعت الفكرة، لتتحول إلى مشروع متكامل.
من هنا، تأسس مكتب "عمار الأرض للاستشارات الهندسية والمقاولات" الذي لم يعد يقتصر على الترميم الداخلي، بل امتد ليشمل إعادة إعمار المنازل، بناء المدارس، إضافة إلى تقديم مخططات هندسية متكاملة وتسليم المشاريع بجودة عالية.
وتضيف "بعد عالم الديكور والجمال، بدأنا في مجال المقاولات، وأسسنا مكتب عمار الأرض للاستشارات الهندسية والمقاولات بدأنا بأعمال بسيطة، ثم توسع عملنا".
لكن التحدي الأكبر لم يكن فنياً، بل اجتماعياً. وتروي "في البداية، كان الناس يسألون كيف تديرين مشاريع وأنتِ بنت؟ والنساء اللواتي يأتين إلى المكتب يقلن: لا تخبري زوجي، لأنه سيرفض أن تدير امرأة مشروع بناء".
لكن هبة الجرادي راهنت على إثبات الذات "راهنت أن النساء يصلحن البيوت أفضل من الرجال. كان مشروع تحدي في البداية، لكن أثبتنا جدارتنا". ومع الوقت، بدأت الصورة تتغير. جودة العمل، والدقة، والالتزام بالمواعيد، جعل اسمها يتردد في مناطق واسعة.
تغيير النظرة المجتمعية
وترى هبة الجرادي أن التدريب كان حجر الأساس في نجاحها، حيث لم تكن المتدربات مجرد متلقيات، بل شريكات في الدفع نحو التوسع "هنّ من شجعني على افتتاح مكتب لأن النساء يفضلن التعامل مع مهندسة تفهم احتياجاتهن".
أما التحدي الأكبر في العمل اليومي، فهو اختلاف ثقافة العمل "أكثر التحديات أننا كمهندسات لدينا انضباط في المواعيد والمدة الزمنية. نحاول أن نُسلم المشاريع قبل الموعد. بينما بعض العمال الرجال يعانون من التسويف، ويعتبرون التأخير أمراً عادياً. هذه مشكلتنا الكبرى في التعامل مع الرجال".
لم يقتصر تأثير هبة الجرادي على المباني فقط، بل تعداه إلى تغيير نظرة المجتمع لدور المرأة، كما لم يقتصر التغيير على النساء فقط، بل امتد إلى بعض الرجال الذين كانوا متحفظين في البداية، قبل أن يتحولوا إلى داعمين.
اليوم، تنظر هبة الجرادي إلى تجربتها كخطوة أولى في مسار أطول. طموحها لم يعد محلياً فقط، بل إقليمياً وعالمياً، متمنية أن يتوسع مشروع عمار الأرض خارج اليمن.