جريمة اعتداء جنسي على طفل تهز الرأي العام وتكشف هشاشة المؤسسات

هزت جريمة التحرش بطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات من قبل شاب يعمل بروضة أطفال بحي النصر الرأي العام التونسي، وارتفعت مطالبات بعدم الصمت عن مثل هذه الجرائم وتشديد العقوبات على الجناة.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ تتواصل في مجتمعاتنا قصص الألم التي يتركها العنف الجنسي ضد الأطفال، لتكشف هشاشة المنظومة الرقابية وضعف الاستجابة المؤسساتية أمام أبشع الانتهاكات الإنسانية. حادثة الطفل الذي تعرض للتحرش داخل روضته ليست مجرد واقعة فردية، بل جرس إنذار يفضح ثغرات في حماية الطفولة ويضع المسؤولية على عاتق الجهات الرسمية والمجتمعية للتحرك الفوري. إن الصمت أو التراخي أمام مثل هذه الجرائم لا يعني سوى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، فيما يبقى الضحايا وأسَرهم يواجهون آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.

منذ ما يقارب الأسبوعين عاد الطفل الصغير إلى منزله رفقة والداته ولكنه كان حزيناً وغاضباً وثقيل الخطوات وهو يمشي كما أن مشيته غير عادية سألته الأم عن سبب حزنه، فأجاب أنه لن يذهب إلى الروضة مرة أخرى لأن المصور الفوتوغرافي بالروضة تسبب له بالألم.

وأشار الى المكان بإصبعه فقامت والدته بتفقده لتصطدم بتعرض ابنها للتحرش الجنسي وحملته للطبيب للقيام بمعاينة طبية ثم تقدمت بشكوى لوزارة المرأة والطفولة وكبار السن، ولم يتم استدعاؤها لسماع أقوالها، ولم يتحركوا لتفقد الروضة وإغلاقها ومعاقبة الجاني؛ لأن طفلها ليس الضحية الوحيدة.

وأمام الألم الذي يعصر الأم ويترك آثاره النفسية كل يوم على الطفل الصغير قامت إحدى صفحات التواصل الافتراضي التي تهتم بالمرأة بالنشر عن الجريمة، وانتشر الخبر بشكل سريع جداً على جميع المواقع والوسائط الالكترونية، وكتب عنه الملايين ولقي استنكاراً وتنديداً واستياء، واختلفت المطالبات حول شكل العقوبات التي يجب أن تفرض على الجاني وعلى الروضة التي يعمل فيها.

وحسب أخر المستجدات في هذه القضية تم الاحتفاظ بأربعة أشخاص على ذمة التحقيق، أما صاحبة الروضة فقد غادرت البلاد، ووزارة المرأة لم تتخذ قرار الإغلاق.


خطيرة وصادمة

وصفت العديد من الجمعيات النسائية جريمة الاعتداء الجنسي على الطفل بالفظيعة، وقالت جمعية لطيفة طعم الله في بيان لها "تعتبر حادثة تعرض طفل في الثالثة من عمره لاعتداء داخل روضة بحي النصر في تونس، حادثة خطيرة وصادمة خاصة وأنها أضحت حادثة متكررة ضد الأطفال في أماكن المفترض أن تكون للرعاية والحماية".

وأكدت في بيانها انه من الضروري فتح تحقيق جدي وشامل في ملابسات الحادثة، ومحاسبة المجرمين وضمان الشفافية في تطبيق القانون دون محاباة كما أن توفير الدعم النفسي والقانوني للطفل وعائلته ضرورة ملحة وواجب.

ومن جانبها أصدرت منظمة مساواة بياناً استنكرت فيه بشدة جريمة التحرش والاعتداء على الطفل، وطالبت بمحاسبة الجاني وكل المتسبّبين في الجريمة ممّن سهّلوا وقوعها أو شاركوا فيها أو تستّروا على ما حدث سواء من داخل مكان الحادثة أو خارجه، وذلك بتطبيق القانون بشكل جدّي وصارم وردعي.

وحملت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن مسؤوليتها، أولاً في التقصير والتلكّؤ في متابعة الملفات ذات الصلة بالعنف الجنسي والتحرش والاغتصاب بل ومحاولة تبرير هذه الجرائم، وهو ما حوّلها إلى ظاهرة متكرّرة ومتفشّية في المجتمع في غياب تفعيل وسائل الحماية والتتبّع والمحاسبة.

وثانياً في عدم المتابعة الجدية لما يقارب 9930 مؤسسة للأطفال من بينهم حوالي 5600 رياض أطفال خاصة و500 محضنة، يصاحبها في حدود 43 متفقداً و177 مساعداً بيداغوجيا فقط، ممّا يؤثر سلباً على الإشراف الجدّي والمسؤول ويضعف آليات الرقابة بل ويساهم في انتشار المحاضن الفوضوية الخارجة عن رقابة الدولة والمتسببة في العديد من الكوارث.

وثالثاً في التمسك بانتهاج السلوك الإداري البيروقراطي الذي يعرقل مسار التنفيذ في ضرورة الإغلاق أو تطبيق القانون وهو ما يشكّل خطراً حقيقياً على الأطفال ويهدّد سلامتهم الجسدية والنفسية.


صمت الدولة

تعليقاً على ما حدث قالت لوكالتنا سارة بن سعيد المديرة التنفيذية لجمعية أصوات نساء أنه "بعد حادثة التحرش الجنسي على طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات بدأت موجة غضب كبيرة على مواقع التواصل الافتراضي لكن للأسف ظاهرة التحرش الجنسي موجودة في تونس، وهناك إحصائيات تؤكد أن 80 بالمئة من نساء تونس تعرضن لأحد أشكال التحرش، وكذلك الأطفال وهذه الظاهرة مسكوت عنها وخاصة بالمؤسسات التي نعتبرها مؤسسات تربوية".

وحملت الحكومة مسؤولية ما يحدث بحق النساء والأطفال "الحكومة صامتة عن هذا الموضوع وعن المحاضن ورياض الأطفال العشوائية، كما أنها تخلت عن دورها الاجتماعي ولم تعد هي التي تستثمر في قطاع التربية ومؤسسات الطفولة، وتترك رأس المال الوحيد الذي يستثمر في هذه المجالات، ويفتح الأبواب ليد عاملة غير مختصة في تربية الأطفال، مما تسبب في تفشي ظاهرة التحرش الجنسي، والعنف ضد الأطفال بالمؤسسات الخاصة".

وأوضحت أن المجتمع المدني يعمل منذ سنوات على ظاهرة العنف ضد المرأة والأطفال، كما أن القانون عدد 58 تناول العنف ضد النساء، وكذلك على الأطفال، ولكن هناك صمت كامل من الحكومة وعدم حديث عن الظاهرة.


نتائج وخيمة

سامية بن سلامة لطيف متقاعدة من قطاع الصحة وناشطة بالمجتمع المدني قالت إن "ما حدث للطفل جريمة فظيعة جداً تألمت بسببها مثلما تألم بسببها الكثير من الناس لأن لها نتائج وخيمة على الطفل الضحية وعلى المجتمع عموماً".

وأضافت "لا أعتقد أنها الأولى، وأتمنى أن تكون الأخيرة، ولكن السؤال الذي يطرح دائماً لماذا حدثت؟ وكيف حدثت؟". قائلة "أضع نفسي دائماً في مكان الأم أن أسلم فلذة كبدي كأمانة للروضة حتى أذهب للعمل وأنا مطمئنة، وقادرة على أن أقدم مجهوداً في عملي، وأحقق الإنتاجية المطلوبة، ولكن هذه الحادثة أحدثت خضة داخل جميع الأمهات، وكذلك الروضات التي لديها أطفال ومهتمة بهم".

وأشارت إلى أن المتسبب في هذه الحادثة من المؤكد أنه يعاني من أمراض خاصة نفسية تدفعه إلى هذه الأفعال التي وصفتها بـ "الشنيعة"، وهذا ليس تبرير للجاني وإنما تحليل لنفسية المعتدين على الأطفال، كما أن الجريمة كما تؤكد سوف يكون لها تداعيات خطيرة على الطفل وعلى المجتمع عموماً.

وأكدت سامية لطيف أن الجريمة يجب أن تكون محل متابعة من قبل وزارة المرأة والطفولة وكبار السن، وكذلك وزارة التربية ووزارة الداخلية ووزارة الصحة ووزارة الثقافة لمعرفة الأسباب والقطع معها.