مهنة القبالة تشكل ركيزة أساسية في الصحة الإنجابية

تلعب القابلات في تونس دوراً محورياً في منظومة الصحة الإنجابية، حيث لا يقتصر تدخلهن على متابعة الحمل والولادة، بل يمتد ليشمل التوعية، والوقاية، والدعم النفسي والاجتماعي، ومرافقة النساء لاسيما اللواتي تعشن في البيئات الهشة والمجتمعات المحافظة.

إخلاص الحمروني

تونس ـ تُعدّ القابلات من أبرز الفاعلات في منظومة الصحة الإنجابية، إذ لا يقتصر دورهن على متابعة الحمل والولادة، بل يمتد ليشمل مرافقة المرأة في مسار حياتها الكامل، فالقابلة بحكم قربها اليومي من النساء وثقة المجتمع بها، تتحول إلى ركيزة أساسية في دعم صحة المرأة الجسدية والنفسية، وحماية كرامتها، وتعزيز وعيها بحقوقها في مختلف المراحل العمرية.

وتجسّد تجربة سعاد علياتي وهي قابلة من محافظة قفصة الواقعة بالجنوب التونسي، هذا الدور الريادي بوضوح، فمسيرتها المهنية، التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، لم تكن مجرد مسار وظيفي داخل مؤسسة صحية، بل تجربة ميدانية وإنسانية عميقة في خدمة الصحة الجنسية والإنجابية، والعمل التوعوي، والدفاع عن حقوق النساء، خاصة في البيئات الريفية والمجتمعات الهشة التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية وثقل القيود الاجتماعية.

باشرت محدثتنا عملها بالديوان الوطني للأسرة والعمران البشري سنة 1976، وقضت عشرين عاماً ضمن فريق متنقل يعمل أساساً في المناطق الريفية. هناك، كانت القابلة في الصفوف الأولى للرعاية الصحية، تتابع صحة الأم والطفل، وتؤمّن عيادات الحوامل، وترافق النساء في تنظيم الأسرة والمباعدة بين الولادات، إلى جانب تقديم الإرشادات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية.

وبعد هذه المرحلة، انتقلت إلى مقر المندوبية، حيث واصلت عملها في مجال التثقيف الصحي، وتولت خطة منسقة برامج وأنشطة توعوية موجهة إلى المراهقين والشباب والنساء في مختلف مراحل الحياة.

 

حلقة الثقة الأولى في حياة النساء

تقول سعاد علياتي أنه "في المجتمعات المحافظة، حيث لا تزال قضايا الصحة الجنسية والإنجابية من المواضيع المحرّمة أو المسكوت عنها، تلعب القابلة دور حلقة الثقة الأولى، وأحياناً الوحيدة، التي تلجأ إليها النساء. فبحكم القرب الجغرافي والاجتماعي، وتشابه التجارب الحياتية، تنشأ علاقة قائمة على الإصغاء والسرية والاحترام، تجعل من القابلة ملجأً آمناً للبوح بما لا يُقال".

وتشير إلى أن عملها في المناطق الريفية لم يكن خالياً من التحديات، خاصةً كونها امرأة تعمل في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، غير أن هذه الصعوبات تحوّلت مع الوقت إلى دافع لكسر الصمت، وبناء الثقة مع النساء، ما مكّنها من كشف واقع العنف المسلط عليهن، والذي كان يُمارس في الخفاء دون تصريح أو طلب مساعدة.

وتوضح أن الصحة الإنجابية لا يمكن اختزالها في الحمل والولادة، بل هي مسار متكامل يرتبط بالوعي بالجسد، وبالحقوق، وبالتوازن النفسي والاجتماعي.

وهنا يتجاوز دور القابلة الجانب الصحي ليأخذ بعداً اجتماعياً وتوعوياً، فوفق سعاد علياتي لا تكتفي القابلة بتقديم الرعاية الطبية، بل تسهم في توعية النساء بحقوقهن، وبالمخاطر الصحية والسلوكية، ويبرز هذا الدور بشكل خاص في العمل مع الشباب والمراهقين، الذين يصل كثير منهم إلى مرحلة البلوغ دون امتلاك معرفة كافية بأجسادهم، أو بطرق حمايتها، أو بكيفية التعامل معها باحترام وتقدير.

وتفسر قولها بأن "غياب هذه المعرفة قد يؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، وحالات حمل غير مرغوب فيه، وانتشار الأمراض المنقولة جنسياً، فضلاً عن تداعيات اجتماعية ونفسية معقدة".

وأكدت أن القابلات تشاركن دائماً في العمل الجمعياتي والمدني النسوي، وقد شاركت هي وزميلاتها في القوافل الصحية، والبرامج الإعلامية، والأنشطة التطوعية، وساهمن أيضاً في الترافع من أجل حقوق النساء، وقد كان لهذا الجهد الجماعي دور فاعل في دعم المسار الذي أفضى إلى صدور القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والذي شكّل نقطة تحوّل في الاعتراف القانوني بالعنف ضد النساء وسبل حمايتهن.

 

من الرعاية الصحية إلى التمكين والدفاع عن الحقوق

وتشمل الصحة الإنجابية، كما تؤكد سعاد علياتي، قضايا تتجاوز الحمل والولادة، لتصل إلى مواضيع حساسة مثل العنف الزوجي والاغتصاب الزوجي، وهي من أكثر أشكال العنف التي يصعب على النساء التصريح بها، فكثير من النساء لا يدركن أن لهن الحق في القبول أو الرفض، حتى داخل إطار الزواج، نتيجة مفاهيم اجتماعية ودينية مغلوطة تُشرعن الإكراه وتضعف قدرة المرأة على الدفاع عن نفسها.

وتقول في هذا السياق "تعمل القابلات على إيصال هذه المعلومات بأسلوب تدريجي ومدروس، يراعي خصوصية كل حالة وسياقها الاجتماعي، حتى تتمكن المرأة من امتلاك الوعي والقدرة على رفض أي ممارسة تُفرض عليها خارج إرادتها، وأن تكون قادرة على قول "لا" عندما يُنتهك حقها في السلامة الجسدية والنفسية".

كما تضطلع القابلة بدور محوري في اكتشاف حالات العنف، وتقديم الإحاطة النفسية الأولية، والتوجيه نحو الأخصائيين النفسيين وأطباء الاختصاص، والتنسيق مع مختلف المؤسسات الصحية والاجتماعية والقانونية، بما يضمن مرافقة المرأة ودعمها إلى أن تتمكن من الخروج من دائرة العنف واستعادة توازنها.

 

مكسب حقيقي

وبخصوص مستقبل مهنة القبالة في تونس، فتعبّر سعاد علياتي عن تفاؤلها بإمكانية تطوير هذه المهنة، خاصة في ظل العمل المتواصل على مشروع قانون ينظم مهنة القابلة ويحدد مرجعيتها المهنية، وترى أن هذا الإطار القانوني المرتقب سيكون مكسباً حقيقياً، من شأنه تحسين ظروف العمل، والتقليص من الضغط والخوف المهني، وتعزيز الاعتراف بقيمة هذه المهنة ودورها الحيوي.

وعلى الصعيد العربي والدولي، تشهد مهنة القبالة انفتاحاً متزايداً من خلال تبادل الخبرات والكفاءات، وهنا تقول أن "القابلات التونسيات أثبتن نجاحهن في عدة دول عربية عبر وكالة التعاون الفني أو عقود العمل، وساهمن في توحيد المفاهيم والمسارات العلمية والمهنية، بما يعزز إشعاع المهنة ويفتح أمامها آفاقاً أوسع".

وأكدت سعاد علياتي في ختام حديثها أن القابلات هن رائدات حقيقيات في مجال الصحة الإنجابية، وداعمات أساسيات للمرأة في كل مرحلة من مراحل حياتها، ليس فقط كمهنيات صحة، بل كفاعلات اجتماعيات، وحاملات لرسالة إنسانية تُعلي من قيمة الجسد، الوعي، والحق في الكرامة.