عفرين بين ذاكرة الحرب وطريق العودة

رغم الظروف القاسية التي عاشها نازحي عفرين في المخيمات والحصار الذي رافق سنوات النزوح، بقي الأمل بالعودة حاضراً في قلوبهم. فاليوم، ومع تهيئة الظروف للعودة، يتحول الحلم الذي انتظروه طويلاً إلى واقع يفتح صفحة جديدة من الحياة في مدينتهم.

سيلفا الإبراهيم

كوباني ـ في الذكرى الثامنة لنزوح أهالي عفرين قسراً، والتي تصادف 18 آذار/مارس، يستعد أبناء المدينة للعودة إلى ديارهم بعد سنوات طويلة من المعاناة التي بدأت مع احتلال المنطقة من قبل الدولة التركية عام 2018. وبينما تعيد هذه المناسبة إلى الذاكرة مشاهد الألم والتهجير، فإنها تحمل هذا العام بارقة أمل جديدة بعودة الأهالي إلى مدينتهم بكرامة، بعد أعوام من الصمود والإصرار على حقهم في العودة.

في وقت يستعد أهالي عفرين للعودة إلى ديارهم بعد سنوات من النزوح، يلوح في الأفق الذاكرة السوداء 18 أذار/مارس لتعيد إحياء مسيرة الألم والمعاناة التي بدأت مع احتلال عفرين، إلا أن هذا العام مختلف عن السنوات السابقة، بعد اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 والذي ينص أحد بنوده إعادة نازحي عفرين إلى ديارهم مع الحفاظ على كرامتهم وصون حقوقهم قانونياً، الأمر الذي جعل من هذه الذاكرة السوداء نوروزاً يحمل معه نصراً وربيعاً بعد ألم ومعاناة ومقاومة وتضحيات جسيمة.

 

جذور في الأرض ومقاومة في وجه الظلم

تصف النازحة من مدينة عفرين، وحيدة خليل، أبناء منطقتها بأنهم شعب شديد الارتباط بأرضه وثقافته، محب للطبيعة ويتمتع بوعي بيئي وتنظيم اجتماعي راسخ، مشيرة إلى أن أهالي عفرين يتبنون فكر الأمة الديمقراطية المستند إلى فلسفة القائد عبد الله أوجلان، القائمة على تآخي الشعوب وحرية المرأة.

وتستعيد أحداث عام 2018 حين تعرضت عفرين لهجوم بري من قبل الاحتلال التركي، معتبرة أن استهداف المدينة لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة ريادتها في تنظيم مجتمعها. فقد كانت عفرين أول مدينة تُؤسّس فيها الكومينات، وسباقة في تطبيق نظام الرئاسة المشتركة، كما شهدت تأسيس وحدات حماية المرأة، وكانت ملاذاً آمناً للنازحين من مختلف المناطق السورية.

وترى وحيدة خليل أن هذا النموذج الاجتماعي كان على تضاد مع سياسات الدول المهيمنة التي تعتمد على إضعاف الشعوب، بينما يقوم مشروع الأمة الديمقراطية على تمكين المجتمعات من إدارة نفسها، معتبرة أن الهجوم على عفرين كان امتداداً للمؤامرة التي استهدفت مشروع الأمة الديمقراطية في شخص القائد أوجلان، مؤكدة أن ما تعرضت له المدينة كان محاولة لضرب هذا النموذج المجتمعي الذي أثبت قدرته على الصمود والتنظيم.

وبينت أن الهجوم على مدينة عفرين استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة، وتخللته انتهاكات واسعة بحق السكان، إلى جانب اعتماد أساليب الحرب الخاصة، مضيفة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حاول الترويج لادعاءات بأن المدينة خالية من أهلها، إلا أن الأهالي خرجوا حينها بمئات الآلاف إلى الساحات ليفندوا تلك المزاعم، مشيرة إلى أن إرادة الشعب توحدت مع صمود المقاتلين، ما مكنهم من المقاومة لمدة 58 يوماً في واحدة من أبرز محطات الصمود التي شهدتها المنطقة.

 

موجات النزوح... معاناة وصمود

وتطرقت وحيدة خليل إلى واقع أهالي عفرين بعد التهجير القسري الذي تعرضوا له إثر الهجوم التركي، موضحة أن السكان عاشوا ظروفاً قاسية في مخيمات الشهباء تحت حصار مشدد فرضته حكومة البعث، حيث افتقدوا مقومات الحياة الأساسية لسنوات طويلة.

وأضافت أن الأهالي صمدوا ست سنوات في تلك الظروف على أمل العودة إلى مدينتهم، لكنهم تعرضوا لهجوم جديد من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته، ما دفعهم للنزوح مجدداً نحو إقليم شمال وشرق سوريا، مشيرة إلى أن أهالي عفرين كانوا في كل مرة يتجهون إلى المناطق التي تُطبّق مشروع الأمة الديمقراطية، لأنهم وجدوا فيه مساحة للحرية والكرامة، إلا أن الهجمات لاحقتهم حتى اضطروا لمواجهة موجة نزوح أخرى خلال التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته المنطقة.

وأكدت وحيدة خليل أن عودة أهالي عفرين جاءت بعد مقاومة دامت 8 سنوات "هذه العودة أحيت الفرحة في قلوبنا كما يحيي نوروز السعادة المختلطة بالنصر في قلوب الكرد".

 

المرأة العفرينية… رمز للصمود والأمل

أما حميدة محمد النازحة من مدينة عفرين، أوضحت أن "أهالي عفرين تعرضوا لموجة نزوح صعبة خلال 8 سنوات الأخيرة إلا أن نسائها لم يستسلمن للظروف الصعبة التي عاشوها بل قاوموا في ساحات الحرب والحماية"، مؤكدة أن "تضحياتهم هي من جددت الأمل في نفوس المهجرين بالعودة".

كما تحدثت عن طبيعة مدينة عفرين وما تعرضت له من انتهاكات طالت بيئتها ومعالمها التاريخية، موضحة أن عفرين تُعد مهداً للحضارة الهورية، وتضم العديد من المواقع الأثرية مثل معلم نبي هوري، وبرسى خاتوني، وتل عندار، وهي موطن لحضارة الآلهة عشتار، مشيرة إلى أن هذه المواقع لم تسلم من انتهاكات الفصائل الموالية للاحتلال التركي، تماماً كما لم تسلم أشجار الزيتون التي تشتهر بها المنطقة، حيث جرى قطع نسبة كبيرة منها.

ولفتت إلى أن الأهالي الذين بقوا في عفرين بعد الاحتلال تعرضوا هم أيضاً لشتى أشكال الانتهاكات، من خطف وقتل واعتداءات متكررة، مؤكدة أن النساء كنّ في مقدمة من تحملوا المعاناة والظلم، معربة عن ثقتها بأن عفرين ستستعيد عافيتها، وأن الحياة ستعود إليها كما كانت بفضل دور النساء وريادتهن وقدرتهن على إعادة بث الحياة في الحجر والشجر معاً.

 

العودة إلى عفرين حلم يتحقق بعد ثماني سنوات

وتحدثت حميدة محمد عن شغف أطفال عفرين بمدينتهم التي كبروا وهم يسمعون حكاياتها دون أن يروها، مشيرة إلى فضولهم وأسئلتهم التي لا تنتهي. وتقول إن الأطفال كثيراً ما يرددون "سنمشي على ضفاف أنهار عفرين في الربيع، ونتباهى بجمالها وجبالها"، ويتساءلون "كيف سيكون لقاؤنا بعفرين؟".

وتوضح أن هذا العشق هو ما جعل الأمهات يصفن عفرين لأطفالهن بكل هذا الحب، فكبر الصغار خلال سنوات الهجرة وهم يحملون صورة لمدينتهم في قلوبهم، وينتظرون لقاءها بشوق لا يهدأ.

وأكدت حميدة محمد أن أمل العودة "قد أصبح واقعاً بفضل تضحيات الشهداء وصمود القوات التي تولت حماية الأهالي"، قائلة إنهم سيعودون إلى أرضهم ليعيدوا الحياة إلى عفرين من جديد، مضيفة أن الأهالي عازمون على إزالة آثار الدمار وزراعة الأشجار وإحياء الأحياء التي خُربت "حتى لو لم يبق من عفرين سوى ترابها، سنجعلها ربيعاً كما عهدناها".

وأشارت إلى أن نساء عفرين، بوصفهن حفيدات عشتار وإنانا وصاحبات تجربة طويلة في التنظيم والريادة، سيكن في طليعة عملية البناء، مضيفة أن عشقهن لمدينتهن سيكون القوة التي تدفعهن لإعادة إعمارها وبث الحياة في حجارتها وأشجارها من جديد.

ومع انطلاق أولى قوافل العودة التي ضمت نحو 400 عائلة عادت إلى عفرين بعد سنوات طويلة من النزوح القسري، يتجدد الأمل في أن تستعيد المدينة نبضها شيئاً فشيئاً. وخلال الأيام المقبلة، ستتواصل عودة بقية النازحين على دفعات، في خطوة تعيد الحياة إلى مسارها الطبيعي، وتفتح صفحة جديدة لأهالي عفرين الذين حملوا مدينتهم في قلوبهم طوال سنوات الغياب، ويعودون اليوم ليكتبوا فصلاً جديداً من الصمود والبناء.