بين النفايات والحشرات والجوع امرأة ووالدتها تواجهان نكبة جديدة
تجسد معاناة ابتسام غبن ووالدتها صورة موجعة لواقع النازحين في غزة، حيث يتقاطع الجوع والمرض وانعدام الخدمات مع الفقد والخوف، لتتحول الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء وسط ظروف غير إنسانية.
نغم كراجة
غزة ـ على أطراف مكبٍ للنفايات غرب مدينة غزة، حيث تختلط روائح القمامة المتراكمة بأسراب الحشرات والقوارض، تعيش الأربعينية ابتسام غبن مع والدتها داخل خيمة مهترئة لا توفر لهما أدنى مقومات الحياة الآمنة، في هذا المكان الذي لا يصلح للسكن البشري، تقضي المرأتان أيامهما بين الجوع والمرض والخوف، بعدما فقدتا العائلة وكل ما كان يربطهما بحياة مستقرة.
منذ أشهر طويلة، تحولت الخيمة الصغيرة إلى عالمهما الوحيد، لا مصدر دخل، ولا أقارب قادرون على المساعدة، ولا قدرة على مجاراة الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، فابتسام غبن التي فقدت أفراد عائلتها، تجد نفسها يومياً أمام معركة جديدة عنوانها البحث عن لقمة تسد جوعها وجوع والدتها المريضة.
معاناة يومية على حافة الجوع والمرض
تجلس ابتسام غبن أمام خيمتها محاطة بأكوام النفايات التي تتكدس على مسافات قريبة، فيما تراقب والدتها بصمت خشية أن تتعرض لأي مكروه أثناء غيابها، تقول بصوت تختلط فيه الحسرة بالإرهاق "أعيش مع أمي وحدنا بعد أن فقدنا كل من كان يقف إلى جانبنا، لا نملك ثمن الطعام أو المياه أو حتى الأدوية، كل يوم نستيقظ ونحن لا نعرف كيف سنقضي ساعات النهار القادمة".
وتوضح أن الحصول على المساعدات الغذائية بات مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لها، إذ تضطر أحياناً إلى الوقوف لساعات طويلة أمام التكايا أو نقاط توزيع المساعدات لكنها لا تستطيع ترك والدتها المريضة وحيدة داخل الخيمة، خاصة في ظل انتشار الحشرات والقوارض حول المكان.
وتضيف "حين أخرج للبحث عن الطعام أبقى خائفة على أمي طوال الوقت، وإذا بقيت معها نجوع معاً، أصبحت حياتنا قائمة على الاختيار بين أمرين أحلاهما مر، أحياناً أعود خالية اليدين بعد ساعات من الانتظار، فأجلس وأبكي لأنني لا أملك ما أقدمه لها".
لا تتمالك ابتسام غبن دموعها وهي تتحدث عن اللحظات التي تضطر فيها إلى مواجهة والدتها دون أن تتمكن من توفير وجبة طعام واحدة خلال اليوم، وتقول "أشعر بالعجز عندما تنظر إلي أمي وتسألني إن كنت استطعت إحضار شيء نأكله، أكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع حمايتها من الجوع أو المرض، أبكي كثيراً عندما أعجز عن توفير الطعام لنا، لأنني أشعر أنني أخسر كرامتي وإنسانيتي أمام هذا الواقع القاسي".
وجع السنين يتجدد في خيمة النزوح
أما والدتها أمينة غبن، التسعينية التي أثقلت السنوات كاهلها، فتعيش معاناة صحية متفاقمة بسبب البيئة المحيطة بالخيمة، فقد أدى انتشار الحشرات والقوارض إلى إصابتها بعدة مشكلات جلدية مؤلمة من بينها مرض الحزام الناري في الرأس، إضافة إلى التهابات مستمرة تزيد من آلامها اليومية.
تجلس داخل الخيمة محاطة بما تيسر من أغطية وأدوات بسيطة، وتقول وهي تشير إلى رأسها المتعب "الحشرات لا تتركنا ليلاً ولا نهاراً، نستيقظ على لدغاتها وننام على الخوف منها، أصبت بأمراض جلدية مؤلمة ولم أجد علاجاً مناسباً حتى الحصول على مسكن للألم أصبح أمراً صعباً".
وتضيف "كل شيء حولنا ملوث، الهواء ملوث، والمكان ملوث، وحتى المياه التي نحصل عليها أحياناً لا تكفي أو لا تكون صالحة بالشكل المطلوب، أشعر أن المرض يزداد يوماً بعد يوم بينما لا أجد من يساعدني".
لكن الألم بالنسبة لأمينة غبن لا يتوقف عند حدود المرض أو النزوح، فهذه المرأة التي عاشت نكبة عام 1948 وما رافقها من تهجير وفقدان واستقرار قسري في حياة اللجوء، ترى أن ما يحدث اليوم في غزة يتجاوز كل ما شهدته خلال عقود عمرها الطويلة.
وبصوت يختلط فيه الغضب بالحزن، تقول "عشت النكبة الأولى وأنا طفلة، ورأيت ما حل بشعبنا من تهجير وتشريد لكن ما يحدث اليوم يفوق كل ما عرفناه، هذه هي النكبة الكبرى الحقيقية لم نشهد من قبل هذا القدر من الدمار والجوع والخوف وفقدان الأحبة، الناس اليوم لا تخسر بيوتها فقط بل تخسر حياتها ومستقبلها وكل ما تملكه".
وتشير إلى أنه "في النكبة الأولى بقينا نحلم بالعودة ونتمسك بالحياة رغم كل شيء، أما اليوم فأشاهد أناساً يبحثون فقط عن الماء والطعام والدواء. أشاهد كبار السن والأطفال يعيشون أوضاعاً لا يمكن وصفها".
واقع إنساني يختنق بين الحرب والفقر وانهيار الخدمات
ومع اقتراب المساء، تعود ابتسام غبن إلى خيمتها بعد يوم جديد من البحث عما يسد الرمق، تجلس إلى جوار والدتها في مواجهة العتمة التي تغلف المكان، بينما تستمر الحشرات في التحليق حولهما وتتصاعد روائح النفايات من كل اتجاه، وبينما تواصلان صراعهما اليومي من أجل البقاء، يبقى حلمهما بسيطاً إلى حدٍ موجع: وجبة طعام تكفي ليوم واحد، ومكان آمن لا يضطران فيه إلى النوم على حافة الجوع والمرض بعيداً عن النفايات والحشرات التي تحاصر حياتهما في انتظار نهاية لمأساةٍ لم تترك لهما سوى الصبر والأمل بالبقاء.
وتعكس قصة ابتسام غبن ووالدتها جانباً من الواقع الإنساني القاسي الذي تعيشه آلاف الأسر النازحة في قطاع غزة حيث تتقاطع آثار الحرب مع الفقر والنزوح وانعدام الخدمات الأساسية. فالمخيمات العشوائية التي أقيمت على عجل باتت تفتقر إلى أبسط معايير الصحة العامة، فيما أدى تراكم النفايات وتدهور أنظمة الصرف الصحي إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن والمرضى.