بعنادٍ لمن لم يسمع صوتها… سيبل أفاغ تتحول من ناجية إلى صوتٍ لنساء كثيرات
سيبل أفاغ امرأة من شمال كردستان، عاشت طفولة مسلوبة وزواجاً قسرياً وعنفاً متواصلاً، لكنها خرجت من كل ذلك أكثر قوة. اليوم تقف بثبات لتكون صوتاً لنساء لم يُسمع صوتهن، تماماً كما لم يُسمع صوتها يوماً.
مميهان هلبين زيدان
وان ـ يتخذ العنف ضد النساء في تركيا وشمال كردستان أبعاداً مقلقة، فهذه الظاهرة باتت نمطاً اجتماعياً متجذراً يتفاقم مع ضعف الحماية القانونية وغياب الردع الفعال، وتكشف المعطيات الحديثة عن تصاعد خطير في معدلات قتل النساء، ما يعكس بيئة تسهل استمرار العنف بدل الحد منه.
تدرك النساء اللواتي يكتشفن الأسباب الكامنة وراء العنف أن عليهن مع مرور الوقت أن يناضلن من أجل جميع النساء اللواتي يتعرضن للعنف أو يواجهن خطر التعرض له، بدءاً من أنفسهن، ومن بين هؤلاء النساء سبيل أفاغ.
وُلدت سيبل أفاغ البالغة من العمر 34 عاماً، في أسرة قررت تزويجها وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة، أي كانت تلميذة في الصف السابع، تحلم بطفولة عادية، قبل أن تفاجأ ذات يوم عند عودتها إلى المنزل بقرار لا رجعة فيه "لقد زوّجناك".
لم يُسأل عن رأيها، ولم يُترك لها خيار، الرجل الذي اختارته العائلة لها كان يكبرها بأحد عشر عاماً، وهو شقيق زوج أختها، ومنذ تلك اللحظة بدأت حياتها تنحدر نحو كابوس طويل.
بقيت مخطوبة ثلاثة أشهر ونصف، لم ترَ خلالها خطيبها ولو مرة واحدة. وبعد الزواج، أمضت الشهر الأول كله تهرب منه داخل المنزل، تختبئ في الزوايا والغرف، تحاول حماية طفولتها التي كانت تنتزع منها بالقوة.
مسار الطفولة المسلوبة
تستعيد سيبل أفاغ تلك الأيام بمرارة، فتقول "كنت طفلة. لم أستطع تقبل اقترابه مني. انهارت نفسيتي تماماً. كنت ما زلت أتعرف إلى جسدي، وقد بدأت الحيض للتو"، كانت تعيش صراعاً بين جسد صغير لا يزال يتشكل، وواقع قاسٍ يفرض عليها دور امرأة لم تصبحها بعد.
تتقدم سيبل أفاغ في سرد حكايتها إلى مرحلة أكثر قسوة، مرحلة تكشف عمق الانتهاكات التي رافقتها منذ طفولتها الأولى، فبعد أن زُوّجت وهي ما تزال في الثالثة عشرة، وجدت نفسها في الرابعة عشرة حاملاً بطفلها الأول، محاصرة بواقع لم تُمنح فيه أي فرصة للاختيار أو الفهم.
في عام 2007 كانت لم تتجاوز الخامسة عشرة، دخلت المستشفى لتلد طفلها مستخدمةً هوية مزورة، تتذكر تلك اللحظات بوضوح، فكما أوضحت الأطباء لاحظوا أن الهوية ليست لها، لكن المختار تدخل لإخفاء الحقيقة، لتستمر الدائرة التي حاصرتها منذ البداية.
تقول سيبل أفاغ بأسى "لو لم يصمتوا حينها، ربما كنت أنجبت طفلي الثاني في وقتٍ متأخر، لكن بعد سنة ونصف فقط أصبحت حاملاً مرة أخرى".
كانت تلك الولادة الأولى بداية مسار طويل من الألم، ومسار أطول للخروج من دائرة العنف التي أحاطت بها منذ طفولتها. ومع ذلك، بقيت سيبل أفاغ شاهدة على نفسها، وعلى كل طفلة تُسلب حقها في أن تكبر بأمان.
الحياة في بيت العائلة… دائرة عنف لا تنتهي
عاشت سيبل أفاغ مع زوجها وطفليها في منزل عائلة الزوج، حيث تداخلت أشكال العنف النفسي والاجتماعي التي تمارس على النساء داخل البيوت المغلقة، وبعد زلزال وان، انتقلت العائلة إلى إسطنبول، لكن الضغوط المستمرة التي مارسها زوجها دفعتهم للعودة إلى القرية، لتجد نفسها من جديد داخل البيئة نفسها التي كرست معاناتها.
تعرضت لضغط نفسي متواصل من زوجها ومن عائلتها، حتى أنها بعد 12 عاماً من الزواج اتخذت قرار الطلاق، غير أن غياب أي دعم حقيقي جعلها مضطرة للعودة إلى ما تصفه بـ "مساحات العنف"، وكأنها لم تغادرها يوماً.
محاولة الهروب وعودة مفروضة بالقوة
تقول سيبل أفاغ "أخذتُ طفليّ وذهبت مع ابنة أختي إلى إسطنبول. بعد رحيلي قالوا إنني هربت مع عشيق! بقيت يومين عند أختي ثم عدت إلى بيت أهلي. مكثت في إسطنبول حوالي 7 إلى 8 أشهر، لكن عائلتي لم ترغب بالأطفال. عائلة زوجي كانت تتصل باستمرار وتقول (أرسلي لنا أطفالنا). اضطررتُ لإرسالهم".
وبسبب اشتياقها لأطفالها، إضافة إلى الضغط المستمر من عائلة الزوج، عادت إلى منزلهم مرة أخرى، وتقول "كانوا يشوهون صورتي أمام أطفالي، وبعد عودتي بفترة قصيرة أصبحت حاملاً بطفلي الثالث، كانت فترة حملي صعبة جداً، لم أكن أدرك أنني حامل، وعندما اكتشفت الأمر كان الجنين قد بلغ 6 أشهر".
بداية الانفصال واللجوء لدار إيواء المعنفات
ازدادت التوترات داخل منزل العائلة مع إصابة ابنة سيبل أفاغ بمرض السيلياك، ما جعل الخلافات اليومية أكثر حدة "كنت في الرابعة والعشرين من عمري، كنا نتشاجر يومياً بسبب علاج ابنتي. في أحد الأيام لم أعد أحتمل، فأبلغت الشرطة عن زوجي. رويت كل شيء في إفادتي. طوال زواجي تعرضت للعنف الجسدي والنفسي، ولا تزال آثار الضرب على وجهي. بعد الإدلاء بإفادتي علمت بوجود دور إيواء للنساء. وبما أنني كنت غاضبة من عائلتي أيضاً، ذهبت مع أطفالي إلى دار الإيواء. لم يقبلوا ابني لأنه كان في الثانية عشرة، فبقي مع والده. مكثت في الدار ثلاثة أشهر ونصف".
مسار قانوني شاق للحصول على الحضانة
تواصل سيبل أفاغ سرد محطات نضالها بعد الطلاق، مشيرةً إلى أنها خلال فترة الجائحة استطاعت أن تستأجر منزلاً مستقلاً بجهودها الخاصة "في تلك الفترة عملت في أعمال إضافية، كنت أعمل باستمرار. كان ابني عند والده، ولم يكونوا يمنحونني حضانة أطفالي الثلاثة. عند الطلاق طلبت النفقة والتعويض والحضانة. استمرت الدعوى بشكل نزاعي. خلال تلك الفترة مرض ابني، فأخذوه إلى المستشفى، ومن هناك جاء إلي، ولم أعد أرسله إلى القرية. قالوا لي إن الدعوى ستتحول إلى طلاق بالاتفاق إذا تنازلت عن التعويض والنفقة والشكوى. فتنازلت. تطلّقت وأنا في السابعة والعشرين، وحصلت على حضانة أطفالي".
ولفتت إلى أن عائلتها قاطعتها سبع سنوات كاملة بعد الطلاق، ما جعل رحلتها أكثر قسوة، لكنها لم تتراجع، وتقول إنها تمسكت بالحياة بكل ما أوتيت من قوة، وواصلت العمل دون توقف "عملتُ حتى انتهت دعوى الطلاق، وما زلت أعمل حتى اليوم. اثنان من أطفالي يدرسون. ابني في سن الثانوية لكنه لا يدرس، يعمل في متجر للحلويات.
ورغم كل ما مرت به، استطاعت سيبل أفاغ أن تعيد ترتيب حياتها، وأن تمنح أطفالها مساحة من الأمان كانت هي نفسها محرومة منها في طفولتها "أخيراً استطعنا أن نبني نظام حياتنا".
الانضمام إلى النضال النسوي
وترى أن التضامن بين النساء ليس مجرد خيار، بل "مسألة حياة أو موت"، ومن هذا الإدراك بدأت رحلتها نحو العمل النسوي، محاولةً أن تمنح غيرها ما كانت تتمنى أن تجده في أصعب مراحل حياتها.
بعد تعرفها على حركة المرأة الحرة "TJA"، بدأت سبيل أفاغ تشارك في الأنشطة النسوية بفاعلية، ووجدت في هذا الفضاء مساحة للتعبير عن نفسها بلغتها الأم، ومساحة لتقديم الدعم لنساء يعشن الظروف نفسها التي عاشتها. لاحقاً، واصلت نشاطها ضمن جمعية ستار للمرأة، حيث شعرت للمرة الأولى أن صوتها مسموع، وأن تجربتها يمكن أن تتحول إلى قوة لغيرها.
وفي ختام حديثها عن قصتها وما عاشته تقول "أنا اليوم في هذا المكان لأنني وثقت بنفسي. أستطيع الوقوف على قدمي، وأريد دعم كل النساء اللواتي تعرضن للظلم مثلي. لو كنت أعرف بوجود مثل هذه الجمعيات في الماضي، لكنت لجأت إليها أولاً. أريد أن يصل اسم جمعية ستار للمرأة إلى الجميع، لأننا كنساء تعرضنا للعنف نفهم بعضنا أكثر. هنا نتحدث بلغتنا الأم، ونفهم. لم أكن أعرف سابقاً أن هناك مكاناً يمكنني أن أشرح فيه ألمي بلغتي".
سيبل أفاغ ليست مجرد ناجية من العنف؛ إنها امرأة من كردستان حملت تجربتها القاسية وحوّلتها إلى قوة. واجهت حياة مليئة بالانتهاكات، لكنها تمسكت بالأمل، وبنت طريقها خطوة بخطوة، حتى أصبحت صوتاً لنساء كثيرات لا يجدن من يسمعهن "لم يسمعني أحد… وأنا هنا اليوم لأكون صوتاً لغيري".