أمومة محاصرة بين الجثامين… مأساة النزوح في غزة

في مقبرة تحولت إلى مأوى قسري، تعيش إيمان عيّاد مع أبنائها الثمانية على تماسٍّ يومي مع الموت في واحدة من أقسى صور الانتهاك الصامت لكرامة النساء في زمن الحرب.

نغم كراجة

غزة ـ في طرفٍ معتم من المدينة حيث تنتهي الأحياء وتبدأ المقابر، تقيم الأربعينية إيمان عيّاد أم لثمانية أبناء، حياةً لا تشبه الحياة إلا بالاسم، بعد نزوحها الأخير لم تجد ملاذاً سوى مساحة ضيقة بين القبور، داخل مقبرة تضم عشرات الجثامين؛ لتتحول شواهد الموت من رموز للغياب إلى جدران يومية تحاصر تفاصيل عيشها.

هناك بين التراب الرطب والقبور المتلاصقة نصبت خيمتها المهترئة، محاولة أن تصنع لأطفالها وهم الأمان في مكان لا يعرف سوى الصمت الثقيل والرعب المستتر.

تعيش إيمان عياد وسط بيئة قاسية، تختلط فيها رائحة الموت بروائح المياه الراكدة، وتنتشر فيها الحشرات والجرذان بشكل كثيف، تقول وهي تشير إلى محيطها "لم أكن أتصور يوماً أن أصل إلى هذا الحد من العجز، أن أعيش مع أطفالي بين القبور، ننام ونستيقظ على هذا المشهد، وكأننا ننتظر دورنا"، الليل هو الأصعب بالنسبة لها؛ فمع انعدام الإنارة تتحول المقبرة إلى فضاء موحش، تتخيل فيه الأصوات وتتشكل المخاوف، تضيف بصوت مثقل بالتعب "في كل ليلة أسمع أصواتاً غريبة، أتوهم أن القبور تتحرك أو أن أحداً يناديني، الخوف لا يفارقني لكنني مضطرة للبقاء من أجل أطفالي".


مسرحاً لحياتها اليومية

لم تعد المقبرة بالنسبة لها مكاناً للدفن فقط بل صارت مسرحاً لحياتها اليومية، بين القبور تغسل ملابس أبنائها، وتطهو طعامهم البسيط، وتشعل الحطب لطهي ما تيسر من الطعام، محاولة أن تحافظ على طقوس الأمومة وسط هذا الخراب.

تقول "أقوم بكل شؤون أسرتي هنا، أغسل وأطبخ وأنظف، وأنا أنظر إلى القبور من حولي، أحياناً أشعر أن الموت يراقبنا في كل حركة"، ورغم قسوة المشهد تحاول أن تُخفي عن أطفالها حجم المأساة لكنها تعترف بأن ذلك بات مستحيلاً "أطفالي يسألونني لماذا نعيش هنا، ولا أملك إجابة تُطمئنهم".

الأسبوع الماضي شكّل ذروة الألم في حياة إيمان عياد حين اضطرت إلى دفن جثمان أخرجته إحدى الكلاب الضالة من قبره وقامت بنهشه، تستعيد المشهد بمرارة قائلةً "رأيت الجثمان ملقى على الأرض، والكلب ينهشه، لم أستطع الصراخ، شعرت أن قلبي توقف، قمت بدفنه بيدي، وأنا أبكي ليس فقط على الميت بل على حالنا جميعاً"، هذا الحدث ترك أثراً نفسياً عميقاً عليها وعلى أطفالها، وزاد من شعورها بانعدام الأمان والخوف الدائم من تكرار المشهد.

تعاني إيمان عياد أيضاً من أوضاع معيشية بالغة السوء داخل الخيمة التي تأويها، مع هطول الأمطار تغرق الخيمة بالمياه، وتتحول أرضيتها إلى مستنقع موحل "كل مرة تمطر فيها السماء، أغرق أنا وأطفالي، الخيمة لا تقي من البرد ولا من المطر"، وإلى جانب ذلك تتعرض الخيمة للتمزق المستمر بسبب تكاثر الفئران التي تحيط بالمكان، ما يجعلها في صراع يومي مع القوارض والحشرات "أستيقظ أحياناً على صوت الفئران وهي تقضم الخيمة، أخاف على أطفالي أن تؤذيهم، لكن لا حول لي ولا قوة".


"نجاة مؤقتة"

تحمل إيمان عياد عبء أسرتها كاملة على كاهلها في ظل انعدام أي مورد للدخل، لا معيل، ولا عمل، ولا مساعدات منتظمة ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع الجوع والعوز "أحاول أن أوفر الحد الأدنى لأطفالي لكنني أعجز كثيراً، أشعر أنني أقاتل وحدي في معركة غير متكافئة"، هذه المعاناة لا تخصها وحدها بل تعكس واقع عشرات النساء اللواتي وجدن أنفسهن مجبرات على العيش في ظروف مشابهة، داخل مقابر أو أماكن مهجورة بعد أن سُدت أمامهن كل أبواب النجاة.

نساء كثيرات تعشن اليوم التجربة ذاتها، تتحملن مسؤولية أسر كاملة في بيئات غير صالحة للحياة، محرومات من أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، في هذه الأماكن تتضاعف معاناتهن بسبب المخاطر الصحية والنفسية، من انتشار الأمراض، وانعدام الخصوصية، والخوف الدائم على الأطفال "لسنا أرقاماً أو حالات عابرة، نحن أمهات نحاول أن نبقي أبناءنا على قيد الحياة".

وسط القبور، تحاول المرأة الفلسطينية إيمان عياد أن تتمسك بما تبقى من قوة لكن صوتها المبحوح يحمل رسالة واضحة هذه ليست حياة بل نجاة مؤقتة في انتظار عدالة غائبة، وضمير إنساني لم يستيقظ بعد.