الخبز النادر في أرض القمح... الفقر والجوع يتسع في كرمانشان
على الرغم من أن كرمانشان تُعد من بين أبرز المناطق المنتجة للقمح في إيران، فإنها تواجه اليوم اتساعاً في رقعة الفقر والجوع، وتروي اللافتات المعلّقة على أبواب المخابز، والتي كُتب عليها "لا نبيع الخبز بالدَّين"، قصة ندرة الخبز في أرضٍ تُعد من أهم منتجي القمح.
ساره بورخزري
كرمانشان ـ رائحة الخبز الساخن التي تخرج من قلب التنور المشتعل وتنتشر في الأزقة والشوارع، قوية بما يكفي لإغراء حتى من شبع لتوّه؛ فكيف بمن لم يذق طعم الخبز منذ أيام. هذه حكاية أناس لم يعودوا قادرين حتى على شراء رغيف خبز، وأصبح الجوع بالنسبة لهم جزءاً من الحياة اليومية.
خبز اختفى من الموائد
في شوارع كرمانشان يظهر الفقر بأشكال متعددة؛ في الملابس البالية، وفي المرضى الذين تُركوا بلا دواء، وفي النساء والرجال الذين لم يأكلوا منذ أيام ولم يعودوا قادرين على شراء حتى رغيف واحد من الخبز.
بالنسبة لكثيرين، لم يعد الخبز يأتي من التنور، بل يُبحث عنه بين أكوام النفايات أو يُنتظر من يد عابر سبيل قد يرقّ قلبه فيمنحهم قطعة خبز. كرمانشان اليوم مليئة بنظرات معلقة على الخبز؛ نظرات لا تنبع من الرغبة في مذاقه الشهي، بل من الجوع والخجل والعجز، ولا يجد أصحاب هذه النظرات جواباً لاحتياجاتهم، وحتى إذا لجأوا إلى المخابز طلباً لرغيف بالدَّين، فإنهم لا يسمعون سوى الرفض.
في مختلف المخابز، تكاد لا تخلو الواجهات من لافتة كُتب عليها بخط عريض وحاسم "لا نبيع الخبز بالدَّين"، لكن هذه العبارة القصيرة والجافة ليست مجرد إعلان عادي؛ فخلفها آلاف الطلبات المؤجلة للحصول على الخبز بالدَّين. لقد أصبحت هذه الطلبات كثيرة إلى درجة أرهقت الخبازين، ودَفعتهم إلى تعليق هذه اللافتات في أكثر من مكان داخل المخبز، حتى لا يضطروا كل يوم إلى مواجهة نظرات المتوسلين الذين يطلبون قطعة خبز لا يملكون ثمنها.
مؤشر البؤس وتدهور المعيشة
أدى الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، الذي تجاوز في بعض الحالات مئة ضعف خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب التضخم الجامح، إلى دفع العديد من الأسر بوتيرة مقلقة نحو الفقر المفروض عليها، وهو فقر أصبحت معه العائلات عاجزة حتى عن تأمين أبسط احتياجاتها الغذائية، ومضطرة إلى خوض معركة يومية من أجل البقاء، ويُعد هذا الوضع مؤشراً واضحاً على انهيار مستوى المعيشة لدى شريحة واسعة من المجتمع.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية المنشورة في إيران، احتلت كرمانشان المرتبة الأولى على مستوى البلاد في عامي (2024-2025) بمؤشر بؤس بلغ 50%. غير أن أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني تشير إلى أن هذا المؤشر قفز بشكل لافت في العام الحالي ليصل إلى 75%، ما وضع كرمانشان في المرتبة الثانية بعد سنه، ولا يتجاوز الفارق بين المحافظتين نقطتين مئويتين؛ إذ سجلت سنه مؤشراً بلغ 77% لتحتل المرتبة الأولى.
ماذا تعني هذه الأرقام بلغة بسيطة؟
عادةً ما يُحسب مؤشر البؤس من خلال جمع معدل البطالة ومعدل التضخم، ويعكس الرقم الناتج حجم الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها سكان منطقة معينة، وعندما تحتل كرمانشان المرتبة الثانية في مؤشر البؤس، فهذا يعني أن البطالة فيها مرتفعة للغاية، وأن التضخم أشد من معظم المحافظات الأخرى، كما أن أسعار السلع الأساسية ترتفع بوتيرة أسرع، ونتيجة لذلك، تتراجع القدرة الشرائية للسكان بسرعة أكبر مقارنة بغيرهم في أنحاء البلاد.
تداخل العوامل
تُعد كرمانشان من أغنى محافظات إيران من حيث الموارد الطبيعية والإمكانات البيئية والبنية التحتية الكامنة، بدءاً من الثروات المعدنية وصولاً إلى الأراضي الزراعية الخصبة وموقعها الحدودي الاستراتيجي غير أن السؤال الجوهري يبقى: كيف أصبحت محافظة تمتلك كل هذه المقومات إلى واحدة من أفقر مناطق البلاد اليوم؟
لا يمكن تفسير هذا الواقع بالاعتماد على العوامل الاقتصادية وحدها، بل يرتبط، بحسب هذا الطرح، ارتباطاً مباشراً بالسياسات التقييدية التي تنتهجها السلطة، فانتشار الفقر في كرمانشان لا يُنظر إليه بوصفه ظاهرة عشوائية، بل نتيجة لنمط من التخطيط السياسي، إذ إن حجم الموارد المتاحة في المحافظة لا يتناسب مع عمق واتساع رقعة الفقر فيها، ويمكن تفسير هذا التناقض من خلال مفهوم "سياسة الفقر".
ورغم أن المصطلح قد يوحي للوهلة الأولى بمجموعة من الإجراءات الرامية إلى مكافحة الفقر، فإنه في علم السياسة يشير إلى السياسات التي تنتج الفقر أو تعيد إنتاجه، وفي العديد من الأنظمة السلطوية، لا يُنظر إلى الفقر باعتباره مجرد خلل بنيوي، بل يُستخدم أحياناً كأداة للسيطرة الاجتماعية.
الفقر بوصفه أداة للسيطرة
تقول الطالبة في قسم العلوم السياسية منيرة. ف "إذا نظرنا إلى الإحصاءات والرسوم البيانية المتعلقة بالفقر في مختلف المدن الإيرانية، تتصدر كل من كردستان وكرمانشان وإيلام القائمة، وهو ما يشير إلى أن سياسات الدولة سارت عملياً في اتجاه لم يؤدِّ إلى تقليص الفقر في المناطق الكردية، بل ساهم في ترسيخه وتعزيزه".
إن اضطرار المخابز في كرمانشان إلى تعليق لافتات تعلن اعتذارها عن بيع الخبز بالدَّين يُعد مؤشراً على تناقض عميق وواضح، بل وعلى كارثة اجتماعية حقيقية، كما تقول محدثتنا "بحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة، نجد أن محافظتي كرمانشان وكردستان تُصنفان ضمن المحافظات الخمس الأولى في إنتاج القمح في إيران. العائدات الناتجة عن الإمكانات الزراعية الضخمة لهذه المحافظات لا تعود إلى السكان المحليين، بل تذهب إلى البنى الحكومية والشبكات المرتبطة بها، والنتيجة هي أن كثيراً من الأسر في قلب محافظتين منتجتين للقمح لا تملك القدرة على شراء خبزها اليومي".
وترى إن إعادة إنتاج الفقر البنيوي في شرق كردستان تعود جذورها، وفق هذا الطرح، إلى سياسة نشأت من رحم القمع والإقصاء التاريخي "كانت كردستان من أوائل المناطق التي قالت لا للجمهورية الإسلامية عام 1979، وسُجل هذا الموقف المبكر في الذاكرة السياسية للنظام باعتباره علامة دائمة على العصيان وعدم الامتثال".
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى إبقاء سكان هذه المناطق في حالة من الفقر المدقع على أنه شكل من أشكال "الانتقام السياسي"، وفي الوقت نفسه وسيلة للسيطرة الاجتماعية"، ويدرك أن الجوع يمكن أن يتحول إلى "أداة لفرض الطاعة والانقياد".
واختتمت منيرة. ف حديثها بالقول أن هذه السياسة قد ألقت بظلالها على وعي المجتمع المستهدف وقدرته على اتخاذ القرار إلى حد أن الأفراد، قبل أن يجدوا فرصة للتفكير في القضايا الأساسية والضرورية لحياتهم، يصطدمون بعائق داخلي كبير ومستنزِف زُرع في أذهانهم؛ عائق يؤجل كل قرار وكل اختيار وكل خطوة، بحيث لا يتردد في عقولهم قبل أي فعل سوى صوت جملة واحدة، جملة تعمل كالقيد الذي يحد من الإرادة ويضيق أفق الرؤية".