ناشطة حقوقية مغربية: ضرب التجربة النسوية السورية يمثل تهديداً لكل نساء العالم
أكدت الناشطة الحقوقية سناء زعيمي بأنه عندما تضع الحرب أوزارها أول ما يتم التضحية به هو المكتسبات التي حققتها المرأة والمجتمع، ولذلك أي تسوية سورية على حساب حقوق النساء ستكون هشة.
رجاء خيرات
المغرب ـ خلال الحرب السورية وخاصةً في المناطق التي سيطر عليها داعش تمت السيطرة على أجساد النساء وتطبيق صارم للأفكار الأبوية الذكورية، وما تزال تداعيات هذا الفكر المتطرف مستمرة رغم كل الجهود للقضاء عليها.
اعتبرت الباحثة الاجتماعية والناشطة الحقوقية سناء زعيمي أن استخدام جسد النساء يعد أداة للتخويف والترهيب والسيطرة، كما يُعبر عن "فكر يستخدم الجسد النسائي كوسيلة لإعادة إنتاج نظام قهري كامل".
وأكدت أن موقفها المتضامن مع الكرد في روج آفا يأتي من موقع المراقِبة والملاحِظة وليس من موقع الاصطفاف السياسي الضيق ولا من موقع الشاهدة على ما يجري هناك "النزاعات لا تُقرأ دائماً من خريطة الصراعات السياسية، ولكن ُينظر إليها من خلال ما تخلفه من أثر في حياة الناس وفي أجساد النساء وكذلك في نسيج المجتمع الذي يعاد تشكيله دائماً تحت ما يمكن تسميته الضغط، بالإضافة إلى العنف الممارس أو العنف المركب".
مسار طويل من العنف المركب
وقالت سناء زعيمي أن ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا لا يمكن اختزاله في تحولات ميدانية أو اتفاقات سياسية ظرفية "إننا أمام مسار طويل من العنف المركب، حيث يمكن القول إن الأمر يتعلق بعنف الحرب وعنف الإقصاء وعنف التهميش وعنف التسويات التي غالباً، وفي معظم الحالات، تُبرم على حساب المدنيين، وبعيداً عن المقاربات الحقوقية والحقوق الإنسانية للنساء وبعيداً كذلك عن الكرامة الإنسانية".
وأوضحت أن هذه المنطقة ومنذ سنة 2011 وهي تعيش تفككاً مؤسساتياً بما فيه مؤسسة الدولة السورية، وبالتالي فقد وضعت مجتمعات شمال وشرق سوريا بشكل عام أمام امتحان قاس نوعاً ما في ظل الانهيار الكامل الذي عرفته، وكذلك في ظل محاولة إعادة تنظيم الحياة العامة والحياة اليومية بالاعتماد على وسائل محلية محدودة الإمكانات، لكن يمكن اعتبارها غنية بالمبادرات والإرادة.
وأضافت "ما يهمني ليس تقييم التجربة بمنطق النجاح أو الفشل، ولكن ما يمكن أن أقرأه من زاوية العلوم الاجتماعية وكذلك من الزاوية الحقوقية، هو أننا اليوم أمام منطقة عاشت الفراغ السياسي وهو ما جعلها أمام مختبر اجتماعي، وبالتالي فالنساء انتقلن من الحديث العنف إلى نساء فاعلات في مواجهته".
من الاستعباد إلى المقاومة
وأكدت أنه لا يمكن الحديث عن مناطق شمال وشرق سوريا دون استحضار حجم العنف الذي مورس ولا يزال يمارس على نساء المنطقة، خصوصاً في مرحلة سيطرت فيها التنظيمات الإرهابية، خاصةً داعش "هذا التنظيم استخدم الجسد الأنثوي الذي اختزل أمامنا بنوع من البشاعة، حيث استعمل جسد النساء كأداة للترهيب والسيطرة وكوسيلة لإعادة إنتاج نظام سياسي واجتماعي قهري كامل".
ولفتت إلى أن ما يستحق التوقف عنده هو كون نساء المنطقة لم تكتفين بدور الضحية أو الناجيات وإنما تحولن في كثير من الأحيان إلى فاعلات اجتماعيات في التنظيم وفي حقل التعليم وفي الرعاية وفي الدفاع عن المجتمع المحلي بشكل عام.
وانطلاقاً من هذا الوضع كما تبين تبرز أهمية المقاربة الحقوقية، حيث أن النساء لم يكتفين بالمطالبة بالحماية، بل مارسن حقهن في الفعل الدفاعي والمبادرة حتى في أكثر السياقات عنفاً.
وعاشت المنطقة في ظل هذا الوضع لسنوات طويلة وتقصد سناء زعيمي هنا سنوات سيطرة داعش، حيث ترى أنه لم ينته العنف بل ظل قائماً، لكنه بحسب ما تقول "غير شكله ومظاهره".
وأوضحت أن كل هذا يسمى عنفاً بنيوياً، وإن لم تكن له مظاهر واقعية ومضبوطة فهو يقتل ببطء المجتمعات والنساء بشكل أساسي ويقوض قدرة الأفراد، خاصةً النساء على العيش بكرامة، كما يحبط قدرتهن على الحفاظ على حقوقهن الإنسانية.
التضامن التزام أخلاقي
وحول التضامن والالتزام الأخلاقي قالت إن الأمر يتعلق بتضامن نسوي عالمي لكون الدعوات الصادرة، خاصةً عن منظمات أمريكا اللاتينية وغيرها للتضامن مع نساء شمال وشرق سوريا، ليست موجة أو حركة وإنما كانت فعلاً ووعياً نسائياً عالمياً، يدرك أن الحقوق كونية لا تجزأ وأن ضرب تجربة نسوية في أي مكان هو رسالة تهديد لكل النساء في أي مكان من العالم.
وهذا التضامن بحسب ما تقول ليس إنكاراً لتعقيدات الواقع، حيث هناك "عراقيل كبيرة ومخيفة"، خاصةً في ظل عدم الاستقرار الأمني، ولكن يشكل أيضاً من زاوية أخرى "رفضاً واضحاً لمنطق تحويل النساء إلى خسائر جانبية، في صراعات لا تملك النساء قرارات اندلاعها أو إنهائها".
وأكدت أنه "لكوني باحثة كذلك، فإنني لا أعتبر المعرفة حياداً أخلاقياً، وهو ما يدفعني للقول بأنني مؤمنة بالبحث الاجتماعي الذي لا يمكن أن يكون محايداً أمام انتهاك الحقوق الإنسانية للنساء وكذلك للإنسان بشكل عام"، موضحةً أنه "لا أدافع عن نموذج سياسي بعينه ولا أروج لتجربة خالية من التناقضات، لكنني أرفض وبشكل قاطع ومن موقع حقوقي بالدرجة الأولى أن تُسْتهدف مكتسبات اجتماعية هي في الأصل هشة (أي تجربة فتية) حققتها نساء المنطقة ونساء المجتمع المحلي بمنطقة شمال وشرق سوريا باسم إعادة ترتيب السلطة أحياناً أو لتحقيق توازنات إقليمية لا ترى في الإنسان إلا أرقام".
واختتمت الباحثة الاجتماعية والناشطة الحقوقية سناء زعيمي حديثها مشددة على أن الدفاع عن النساء نابع من قناعة الدفاع عن الحقوق الإنسانية بشكل عام والدفاع عن نساء منطقة شمال وشرق سوريا "هذا ليس دفاعاً فقط عن الكيان الجغرافي أو الإدارة السياسية وإنما دفاعاً عن حق المجتمعات في تنظيم حياتها، ثم حق النساء في المشاركة في صنع القرار، ثم حق المدنيين بشكل عام في العيش في أمن دون خوف دائم من الإقصاء ومن الإلغاء، فلا سلام دون عدالة ولا عدالة دون نساء ولا مستقبل لأي تسوية سياسية تتجاهل أن حقوق النساء ليست ترفاً بل شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع نفسه أو عينه".