لماذا يثير الإعلام النسوي حفيظة النظام الأبوي؟

بينما تتصاعد أصواتٌ نسوية تطالب بإعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية، تشتعل جبهات هجومٍ شرسة لا تستهدفُ المحتوى فحسب، بل تحاولُ وأدَ الحق في التساؤل. فهل نحنُ أمام مجرد خلافٍ في وجهات النظر، أم أننا نشهدُ ذعراً يمس الإعلام النسوي برغم قلته؟

زهور المشرقي

تونس ـ في خضم التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة التي تشهدها مجتمعاتنا، يبرز "الإعلام النسوي" كواحد من أكثر الظواهر إثارة للجدل والمواجهة، وعلى الرغم من أن هذا التيار الإعلامي لا يزال يشكل أقلية من حيث الحجم والانتشار مقارنة بالمنصات الإعلامية التقليدية أو التيارات الفكرية السائدة، إلا أنه يواجه حملات هجومية مستمرة تتسم بالحدة والاتساع.

إن هذه المفارقة بين محدودية الحضور الكمي والرفض الموجه له تفرض على الصحفيات ضرورة التوقف عن القراءة السطحية للأحداث، والبدء في تفكيك الديناميكيات الخفية التي تحكم هذا الصراع، حيث أن طبيعة المقاومة التي يواجهها الإعلام النسوي لا تنبع من كونه مجرد أصوات تطالب بحقوق مدنية أو قانونية فحسب، بل لأنها تلمس "المسلمات" الاجتماعية وتعبث بموازين القوى التاريخية الراسخة داخل البناء الأسري والاجتماعي، فكل خطاب يجرؤ على مساءلة الثوابت، أو إعادة تعريف أدوار النوع الاجتماعي، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ما يمكن تسميته بـ "حراس الهوية"، الذين يرون في هذه الطروحات تهديداً وجودياً لمنظومة القيم الموروثة.

وبالتالي، فإن الهجوم على هذا الإعلام ليس مجرد رد فعل عشوائي، بل هو انعكاس لقلق مجتمعي عميق تجاه التغيير، خاصة وأن وزن هذا الإعلام لا يُقاس بعدد المتابعين أو مساحة البث، بل يُقاس بما يمثله من تحدٍ لنمط حياة استقر لعقود طويلة.

ومن هنا، تبرز إشكالية البحث في هذا الموضوع: كيف يمكن التمييز بين الحقوق المطلبية المشروعة وبين المخاوف الثقافية التي يغذيها هذا الخطاب؟ وهل يعود الهجوم إلى محتوى الطرح النسوي بحد ذاته، أم إلى طبيعة الصدام الذي يفرضه الإعلام الرقمي في عصرنا الحالي؟

 

لماذا الهجوم؟

لا يعتبر هذا الهجوم صدفة، بل هي ضريبة مباشرة للدور الذي يمارسه الإعلام النسوي؛ فهو لم يكتفِ بمطالبة النساء بحقوقهن، بل تجاوز ذلك نحو ممارسة الفضح للخطاب الذكوري وسلطة النظام الأبوي، ونجح هذا الإعلام في نزع الغطاء عن الآليات الناعمة التي تعيد إنتاج الهيمنة داخل مؤسسات الأسرة، العمل، والمجال العام، محولاً "المسلمات" التي كانت تُعتبر جزءاً من الفطرة أو التقاليد، إلى ممارساتٍ قابلة للنقد والمساءلة.

هذا "الفضح" للمنظومة الأبوية هو ما يفسر استشراس المدافعين عنها؛ فالمعركة هنا ليست حول حقوق مدنية فحسب، بل هي صراع على "شرعية السلطة" داخل البيوت والمجتمعات. إن الإعلام النسوي لم يعد مجرد صوت للمطالبة بالإنصاف، بل تحول إلى "مرآة عاكسة" كشفت عورات النظام الأبوي، مما جعل هذا النظام يرى في كل منصة أو صوت نسوي تهديداً مباشراً لاستقراره التاريخي الذي عمل طويلاً على صمت النساء وتغييب وعيهن.

 

استهداف المنصات النسوية

ولا تبتعد هذه القراءة عن الواقع المعاش، إذ تجسدت هذه المواجهة مؤخراً في الاستهداف السيبراني الذي تعرضت له وكالتنا "وكالة أنباء المرأة" NUJINHA، وهو ما جدد الحديث عن أهمية التضامن ودعم الإعلام النسوي.

وتتحدث الناشطة الحقوقية مودة الجميعي عن دعمها لوكالتنا التي تعرضت مؤخراً للهجوم السيبراني وتؤكد أنها منصة إعلامية نسوية متخصصة لكل النّساء وتعمل على تسليط الضوء على قضايا النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك النساء في مناطق النزاع، والنساء الأفريقيات، والنساء بشكل عام. مشددة على أن الوكالة تسعى لأيصال أصوات النساء اللواتي لا يجدن مساحة للتعبير عن أنفسهن.

وتعبر عن صدمتها واستيائها الشديدين إزاء "الهجمة الأخيرة" التي تعرضت لها الوكالة. وتشير إلى أنها لم تكن تتوقع هذا النوع من الاستهداف، خاصة وأن عمل الوكالة يستمر بجهود جبارة من الصحفيات اللواتي كرسن عملهن لإيصال أصوات النساء حتى في الظروف الصعبة وبرغم التهديدات.

وتنتقد محاولات تشويه الوكالة لأنها إعلام نسوي ومساعي التشكيك في نزاهتها أو محاولة تشويهها، مؤكدة على تمسكها وفريق العمل بالاستمرار في نهجهم.

وتشدد على ضرورة "التكاتف" ودعم الوكالة في مواجهة هذه التحديات، معتبرة أنها تمثل "مكسباً" هاماً يجب الحفاظ عليه.

وتختتم حديثها بالتأكيد على طموحهن كصحفيات للوصول إلى الغاية الأسمى، وهي تحقيق مطالب النساء وتكريس مفهوم "النسوية الحقيقية" التي لا تعتمد على الصور النمطية، بل تعبر عن أصوات النساء وقضاياهن العادلة.