خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء في تونس... إلى أين؟
انتشر في تونس مؤخراً خطاب كراهية وتحريض يستهدف النساء، خصوصاً الشابات الناشطات، في محاولة واضحة لإخافتهن وإسكات أصواتهن ودفعهن بعيداً عن الفضاء العام.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ تعرضت في الفترة الأخيرة عدد من الناشطات في المجتمع المدني إلى حملات استهداف ممنهجة، من بينهن غفران بينوس التي واجهت موجة من التشويه والتخوين. وقد حملت في منشور لها المسؤولية الكاملة لكل من شارك في التحريض ضدها ونشر خطاب الكراهية، محذّرة من أي تهديد قد يطال سلامتها الجسدية، ومؤكدة احتفاظها بحقها في اتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة.
كما طالت حملات مشابهة الصحفية خولة بوكريم بعد سفرها إلى فرنسا لإجراء سلسلة من الحوارات مع شخصيات غادرت البلاد قسراً. وقد تم التعرض لها عبر منصات التواصل. وفي تدوينة نشرتها خلال الأسبوع الجاري، شددت على أن التحريض على انتهاك أعراض النساء لا يكشف إلا عن أخلاق من يمارسه، مضيفة أن من يساند مثل هذه الجرائم اليوم لن يجد من يحميه غداً حين تتغير المواقع، وهو درس واضح من دروس التاريخ.
وأكدت خولة بوكريم أن موقعها "توميديا" يحتفظ بحقه في المتابعة القانونية ضد كل تعليق أو منشور يحرض على هتك الأعراض، مع التزامها الكامل بأخلاقيات المهنة الصحفية.
تعرضت أيضاً كل من بسمة الخلفاوي، الناشطة النسوية، وإيمان قزارة، المحامية والحقوقية، إلى حملة تشويه ممنهجة اتخذت طابعاً "أخلاقياً"، رافقها سب وشتم وعنف رقمي واتهامات تمس الحرمة المعنوية والكرامة الإنسانية.
شهدت هذه الممارسات موجة واسعة من الاستياء والتنديد في صفوف ناشطات المجتمع المدني، اللواتي عبرن عبر منصات التواصل عن رفضهن لخطاب التشويه والعنف الرقمي الموجه ضد النساء. ومن بين الأصوات التي تفاعلت مع هذه الحملة، برزت نجاة العرعاري، الناشطة في المجتمع المدني، التي كتبت رسالة دعم واضحة جاء فيها أنها تقف بالكامل إلى جانب غفران بينوس، مؤكدة أن "العقول المريضة والقلوب المليئة بالحقد والكراهية لا يُرد عليها إلا بالتجاهل"، ومشددة على أن غفران ستظل ذلك الصوت المدافع عن الكرامة الإنسانية والحقوق والحريات.
كما أصدرت منظمة النساء الديمقراطيات ومنظمة تقاطع من أجل الحقوق والحريات بيانات تنديد حول موجة العنف والكراهية التي تطال الناشطات خلال الفترة الأخيرة.
القانون 58 بين النص والواقع
قالت المحامية والناشطة الحقوقية حميدة الشايب في تصريح لوكالتنا إن تونس تمتلك الإطار القانوني المتمثل في القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والذي يجرم مختلف أشكال العنف، بما في ذلك العنف الرقمي، غير أن ما يحدث اليوم، وفق قولها، يكشف عن محاولات منظمة لإسكات النساء وإبعادهن عن المشاركة في الحياة العامة عبر التشهير، الوصم، والاعتداء على الكرامة.
وأشارت إلى أنه أصبح هناك الكثير من الخوف حتى أن بعض النساء تراجعن عن العمل الجمعياتي والحياة الجمعياتية، مضيفة "نحتاج إلى تعزيز انخراط الشباب في الحياة السياسية والعمل الجمعياتي حتى تتكوّن لدينا، مع مرور الوقت، طبقة سياسية مؤهلة وقادرة على مواصلة بناء تونس على أسس ديمقراطية راسخة".
وأوضحت أن "الوضع في تونس، أصبح صعباً للغاية، لكن ما زال بإمكاننا توجيه رسالة تضامن إلى كل النساء اللواتي يتعرضن لأشكال متعددة من العنف. رسالة مفادها أن القيد لا بد أن ينكسر، وأن يوماً جديداً سيأتي يتغير فيه الواقع ونستعيد فيه ما فقدناه".
تحديات خطيرة أمام الديمقراطية التونسية
من جانبها أكدت الناشطة النسوية والحقوقية فتحية حيزم أن ما تشهده تونس اليوم من تفشي خطاب التحريض والكراهية "يجعلنا نعيش وكأننا في غابة، حيث يغيب النقد البناء. وفي المقابل، يبرز خطاب يدفع نحو الكره والتحريض، وهو ما يدفع الكثير من النساء إلى التراجع عن المشاركة في الحياة العامة".
وأشارت إلى أن هذه السلوكيات دخيلة على المجتمع التونسي، ولا تعبر عن قيمه ولا عن أخلاقه، معربة عن أملها في أن تستيقظ يوماً من هذا الكابوس، وأن يعود الخطاب الإنساني والتضامني، وخاصة التضامن النسوي.
وأضافت أن الوضع في تونس اليوم بلغ درجة كبيرة من التردي، إلى حد أن الكلمات تعجز عن وصفه، لافتة إلى أن خطاب الكراهية يشتد كلما ازدادت مشاكل السلطة، وأنه كلما تعقدت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، برزت سرديات الكراهية بشكل أوضح.
وذكرت أن الشابات الناشطات، اللواتي يفترض أن يكن جزءاً أساسياً من مستقبل تونس، يتم قطع أجنحتهن منذ البداية عبر استهدافهن بالتحقيقات، لكن الأخطر من ذلك هو استهدافهن في أعراضهن وشرفهن "مجتمعنا، رغم ما حققه من تقدم، ما زال يحمل في عمقه، بشكل أو بآخر، عقلية تقليدية مقيتة تُجرم نضال النساء وتستخدم سلاح السمعة لإسكاتهن ودفعهن إلى التراجع عن العمل السياسي والفضاء العام".
واعتبرت أن هذا الواقع قد يشكل عائقاً حقيقياً أمام الشباب، مضيفة أن خطاب التحريض والكراهية لا يشبه تونس المنفتحة تاريخياً على البحر الأبيض المتوسط، والتي تفاعلت عبر قرون مع حضارات متعددة، وبالتالي لا يمكن أن تتحول إلى بلد يُنتج هذا القدر من الكراهية.
واختمت فتحية حيزم حديثها بالقول إن السردية الرسمية اليوم، تسعى إلى تعليق الشماعة على مواطني ومواطنات دول جنوب الصحراء حتى ينسى التونسيون مشاكلهم الأساسية، وينشغلوا بخطاب يوهمهم بأن هؤلاء "جاؤوا ليأكلوا ثرواتنا"، في حين أن الأزمة الحقيقية أعمق بكثير.