حق الحضانة... هل يضمن القانون الجديد مصلحة الطفل أم يعمّق الخلافات؟

أثار تعديل قانون الأحوال الشخصية في مصر، خصوصاً ما يتعلق بترتيب الحضانة وتقديم الأب بعد الأم، جدلاً واسعاً، إذ يتجاوز الأمر تنظيم علاقة الأبوين بعد الانفصال ليطرح أسئلة حول مفهوم الأسرة، والمسؤولية المشتركة، وقدرة التشريعات على تحقيق التوازن.

أسماء فتحي

القاهرة ـ يتجدد الجدل حول تعديلات قوانين الأحوال الشخصية في مصر على خلفية تراكم سنوات من الانتقادات، سواء من آباء رأوا أن التشريعات الحالية تنتقص من دورهم في حياة أبنائهم، أو من نساء ومنظمات حقوقية طالبت بضمانات أقوى لحماية الأطفال والأمهات بعد الطلاق، خصوصاً فيما يتعلق بالإنفاق والرعاية والاستقرار النفسي والاجتماعي.

رغم أن التعديلات المطروحة تحاول الاستجابة لبعض مطالب الآباء المتعلقة بالرؤية والاستضافة والحضانة، فإنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف قطاع واسع من المهتمين بالشأن الأسري، الذين يرون أن تقديم الأب في ترتيب الحضانة دون معالجة الإشكاليات المرتبطة بالإنفاق أو ضمانات الرعاية أو المساواة بين الأب والأم، قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة تمس مصلحة الطفل بشكل مباشر.

كما كشف الجدل الدائر أن أزمة قانون الأحوال الشخصية لا تتعلق ببند واحد فقط، بل ترتبط بمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة، تضع في الاعتبار التحولات الاجتماعية الحالية، وتوازن بين حق الطفل في الاستقرار والرعاية، وحق الأبوين في المشاركة العادلة في التربية، بعيداً عن استخدام الأطفال كأداة في الصراعات الممتدة بعد الانفصال.

وأثارت هذه التعديلات حالة من الجدل بين مؤيدين يرون أنها تعيد الاعتبار لدور الأب في حياة أطفاله وتمنحه مساحة أكبر للمشاركة في الرعاية والتربية، وبين معارضين يعتبرون أن نقل الأب إلى المرتبة الثانية قد يخلق مشكلات اجتماعية ونفسية للأطفال، خاصة في ظل غياب ضمانات كافية تتعلق بالرعاية والإنفاق والاستقرار الأسري.

كما فتح النقاش الباب أمام قضايا أخرى مرتبطة بقانون الأحوال الشخصية، من بينها إشكالية سقوط الحضانة عن الأم في حالة الزواج، وحقوق الرؤية والاستضافة، ومدى التزام الآباء بالإنفاق والرعاية بعد الطلاق، بالإضافة إلى التساؤلات المتعلقة بمدى توافق بعض البنود مع مبدأ المساواة وعدم التمييز.

 

مصلحة الطفل تقتضي بقاء الأب بعد الجدات في ترتيب الحضانة

ترى عبير حمدي، المحامية بالنقض وباحثة الدكتوراه في قضايا الأسرة، أن نقل الأب إلى المرتبة الثانية في ترتيب الحضانة لا يحقق بالضرورة مصلحة الطفل، مؤكدة أن الطفل في سنواته الأولى يحتاج بصورة أساسية إلى الرعاية المرتبطة بالنساء داخل الأسرة.

وأوضحت أن وجود الأب في المرتبة السادسة عشرة سابقاً كان يمثل ظلماً، لكنها في الوقت نفسه ترفض وضعه مباشرة بعد الأم، مقترحة أن يأتي ترتيبه بعد الأم وأم الأم وأم الأب، بحيث يحصل الطفل في سنواته الأولى على الرعاية الأقرب لاحتياجاته النفسية واليومية.

وأكدت أن القضية الأساسية يجب أن تنطلق من مصلحة الطفل لا من الخلافات بين الأب والأم بعد الانفصال، مشيرة إلى أن الطفل لا يجب أن يتحمل نتائج فشل العلاقة الزوجية أو الصراعات القائمة بين الطرفين.

كما حذرت من أن وضع الأب في المرتبة الثانية قد يؤدي عملياً إلى انتقال الأطفال للعيش مع زوجات آبائهم في أعمار صغيرة، معتبرة أن ذلك قد يخلق أزمات نفسية واجتماعية للأطفال، ويعرض بعضهم لمعاملة غير مناسبة أو لشعور دائم بعدم الأمان داخل الأسرة الجديدة.

 

أزمات قد تتفاقم مع التعديلات الجديدة

وأشارت عبير حمدي، إلى أن بعض الإشكاليات المرتبطة بالحضانة ما زالت تمثل مصدر قلق كبير للنساء، وعلى رأسها سقوط الحضانة عن الأم في حال زواجها، وهو ما يدفع بعض النساء، بحسب قولها، إلى اللجوء إلى الزواج العرفي خوفاً من فقدان أطفالهن.

واعتبرت أن هذا الوضع قد يعيد إنتاج مشكلات اجتماعية وقانونية كانت الحركات النسوية والحقوقية تحاول الحد منها، خاصة فيما يتعلق بتوثيق الزواج وضمان الحقوق القانونية للنساء والأطفال.

كما تناولت قضية الإنفاق، مؤكدة أن كثيراً من الآباء يتوقفون عن تحمل المسؤولية المادية تجاه أطفالهم بعد الطلاق، رغم أن الإنفاق والرعاية يمثلان واجباً قانونياً وشرعياً لا يسقط بالانفصال.

وأشادت بالإجراءات التي تستهدف معاقبة الممتنعين عن دفع النفقة، معتبرة أن وقف بعض الخدمات الحكومية عن الآباء الصادر ضدهم أحكام نهائية بالامتناع عن النفقة يمثل خطوة مهمة نحو تفعيل القوانين القائمة وضمان حقوق الأطفال.

 

الحقوق لا تنفصل عن الواجبات والمساواة

وبدورها أكدت كريمة الحفناوي، عضوة الحزب الاشتراكي المصري والجبهة الوطنية لنساء مصر، أن أي تعديلات على قانون الأحوال الشخصية يجب أن تنطلق أولاً من مبدأ "مصلحة الطفل الفضلى"، إلى جانب ضمان العدالة داخل الأسرة والشراكة المتوازنة بين الأب والأم في الرعاية والتربية.

وأوضحت أنها تؤيد أن يكون الأب في المرتبة الثانية بعد الأم، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الحقوق يجب أن تقترن بالواجبات، مؤكدة أن الرؤية والاستضافة والحضانة لا يمكن فصلها عن مسؤوليات الإنفاق والرعاية والتربية السليمة.

كما أثارت قضية المساواة فيما يتعلق بزواج الحاضن، معتبرة أن استمرار حق الأب في الحضانة رغم زواجه، مقابل سقوط الحضانة عن الأم عند زواجها، يمثل تمييزاً ضد النساء ويتعارض مع مبادئ الدستور والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز.

وأكدت على ضرورة أن تستمر الأم في حضانة أطفالها حتى بعد الزواج، طالما أن مصلحة الطفل لا تتضرر، مبينة أن تقييم الأوضاع الأسرية يجب أن يتم على أساس مصلحة الطفل الفعلية وليس بناءً على افتراضات مرتبطة بالنوع الاجتماعي.

 

صعود الأب للمرتبة الثانية يعيد التوازن داخل الأسرة

من جانب آخر، أكدت المحامية علياء عسكر، أن النظام السابق الذي كان يضع الأب في ترتيب متأخر للغاية، ساهم في إقصاء كثير من الآباء عن حياة أطفالهم، خاصة مع محدودية أحكام الرؤية التي كانت تقتصر غالباً على ساعات قليلة أسبوعياً.

وفيما يتعلق بمخاوف الإنفاق أو إساءة استخدام الاستضافة، شددت علياء عسكر، على أهمية وضع ضوابط قانونية واضحة تنظم الاستضافة وتحمي الأطفال، بما في ذلك منع نقلهم إلى مدن أخرى أو السفر بهم دون ضوابط قانونية.

وأضافت أن القضاء يجب أن يبقى الجهة الأساسية المخولة بتحديد مصلحة الطفل الفضلى في كل حالة، سواء باستمرار الحضانة مع الأم أو انتقالها للأب أو لغيرهما من أفراد الأسرة.

 

مستقبل قانون الأحوال الشخصية

تعكس حالة الجدل المرتبطة بتعديلات الحضانة حجم التعقيد الذي يحيط بقانون الأحوال الشخصية في مصر، خاصة مع تداخل الأبعاد القانونية والاجتماعية والنفسية المرتبطة بالعلاقة بين الأطفال وذويهم بعد الانفصال.

فبين مطالب توسيع حقوق الآباء في الرؤية والاستضافة والحضانة، ومخاوف النساء من تأثير بعض التعديلات على استقرار الأطفال وحقوق الأمهات، يبقى السؤال الأهم مطروحاً حول الكيفية التي يمكن من خلالها بناء قانون أكثر عدالة يضمن مصلحة الطفل الفضلى ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة.

كما تكشف هذه النقاشات عن الحاجة إلى مراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية، بحيث لا تقتصر الإصلاحات على ترتيب الحضانة فقط، وإنما تمتد إلى قضايا الإنفاق والرعاية المشتركة والولاية التعليمية وضمانات الحماية الاجتماعية والقانونية للأطفال والنساء بعد الطلاق، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة والاستقرار الأسري.