هل توفر أماكن العمل في المغرب الحماية للنساء؟

حوادث ووقائع حديثة تعيد تسليط الضوء على شروط السلامة المهنية والتحديات المرتبطة بحماية النساء داخل بعض الفضاءات التجارية والخدماتية في المغرب.

حنان حارت

المغرب ـ أعادت وقائع متفرقة شهدتها أماكن عمل وفضاءات مهنية بالمغرب خلال الأشهر الأخيرة طرح النقاش حول شروط السلامة والحماية المتوفرة للنساء أثناء مزاولة عملهن، خاصة داخل القطاعات التجارية والخدماتية التي تعمل فيها العديد من العاملات في ظروف فردية أو داخل فضاءات محدودة الإمكانيات.

جاءت حادثة مقتل شابة داخل وكالة لتحويل الأموال بمدينة الدار البيضاء لتعيد إلى الواجهة تساؤلات تتجاوز الواقعة الجنائية في حد ذاتها، نحو مساءلة واقع بيئات العمل ومدى فعالية المنظومة القانونية والرقابية بضمان الحق في العمل داخل فضاءات تحفظ الكرامة والسلامة الجسدية.

كما ساهمت وقائع أخرى شهدتها فضاءات مهنية خلال الفترة الماضية، من بينها اعتداءات استهدفت نساء أثناء مزاولة عملهن، في إبقاء هذا النقاش حاضراً داخل الأوساط الحقوقية والمجتمعية، وسط دعوات متزايدة إلى تعزيز تدابير الوقاية والحماية داخل أماكن العمل.

وفي سياق يعكس أهمية توفر وسائل الأمان داخل الفضاءات المهنية، شهدت مدينة الداخلة خلال الأيام الماضية، محاولة سطو فاشلة استهدفت وكالة لتحويل الأموال، انتهت دون خسائر بعد تمكن موظفة من تفعيل نظام الإنذار وإحباط العملية. ورأى متابعون في الواقعة مثالاً على الدور الذي يمكن أن تلعبه آليات الحماية والتأمين في الحد من المخاطر التي قد تواجه العاملات أثناء مزاولة مهامهن.

 

فضاءات عمل هشة

تعمل آلاف النساء بالمغرب داخل قطاعات تجارية وخدماتية تعتمد في كثير من الأحيان على العمل الفردي أو على فضاءات صغيرة تفتقر للحراسة أو أنظمة المراقبة والتأمين، خاصة داخل بعض الوكالات والمحلات التجارية ونقط الخدمات.

ويرى متابعون أن طبيعة هذه الفضاءات تجعل العاملات أكثر عرضة للهشاشة، في ظل غياب آليات واضحة للتبليغ أو التدخل السريع، إلى جانب تفاوت شروط السلامة المهنية بين مختلف أماكن العمل.

كما تطرح هذه الوقائع تساؤلات حول مدى احترام بعض المؤسسات لمقتضيات مدونة الشغل المتعلقة بظروف العمل اللائقة والحماية المهنية، خاصة بالنسبة للنساء العاملات في القطاعات ذات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وينص الدستور المغربي على حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، كما تلزم مدونة الشغل أرباب العمل بتوفير شروط السلامة والصحة المهنية داخل أماكن العمل.

وتؤكد مقتضيات قانون الشغل على مسؤولية رب العمل في حماية العاملين من المخاطر المهنية، غير أن فاعلين حقوقيين يعتبرون أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود النصوص القانونية، بل أيضاً بمدى تفعيلها ومراقبة احترامها على أرض الواقع.

وفي هذا الإطار، يرى حقوقيون أن عدداً من الفضاءات المهنية، خاصة الصغيرة أو غير المهيكلة، ما تزال تعمل في غياب مراقبة فعلية ودورية لشروط السلامة والحماية.

 

ما وراء الحوادث الفردية

وفي هذا الإطار، تؤكد الناشطة الحقوقية وفاء بدري عضوة المنتدى المغربي للحداثة والتنوير أن قضايا العنف التي تستهدف النساء داخل أماكن العمل لا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع معزولة، لأنها تمس حقوقاً أساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والسلامة الجسدية وحق النساء في العمل داخل بيئة تحفظ الكرامة الإنسانية.

وقالت إن الواقع يكشف استمرار هشاشة أوضاع الحماية داخل عدد من أماكن العمل، رغم التطورات التي عرفها مسار الحقوق والحماية المهنية خلال السنوات الأخيرة.

وأضافت أن الاعتداءات التي تطال النساء داخل مقرات العمل تطرح أسئلة عميقة حول شروط الأمان واحترام الكرامة الإنسانية للعاملات، خاصة داخل فضاءات عمل وصفتها بـ "شبه المنظمة"، حيث تسجل خروقات تمس حقوق النساء وظروف عملهن.

 

العنف والنوع الاجتماعي

وترى وفاء بدري أن هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للعنف المبني على النوع الاجتماعي، معتبرة أن النساء يواجهن في بعض الحالات هشاشة مضاعفة داخل فضاءات عمل تفتقر للحماية والتأمين والمراقبة الفعالة.

وأوضحت أن الإشكال لا يتعلق فقط بالعمل الإجرامي، بل أيضا بالسياق الذي يسمح بوقوع مثل هذه الاعتداءات، في ظل علاقات قوة غير متكافئة أحياناً، إلى جانب محدودية إدماج مقاربة النوع الاجتماعي داخل سياسات التشغيل والحماية المهنية.

 

مسؤولية مشتركة

وترى وفاء بدري أن استمرار التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها أحداثاً فردية فقط يحد من إمكانية بناء سياسات وقائية فعالة، ويجعل التدخل يقتصر غالباً على ردود الفعل بعد وقوع المآسي، بدل معالجة الأسباب البنيوية التي قد تسمح بتكرارها.

وشددت على أن حماية النساء داخل أماكن العمل ليست امتيازاً، بل حق أساسي ومسؤولية مشتركة تتحملها الحكومة والمؤسسات وأرباب العمل وأجهزة الرقابة والنقابات والفاعلون المدنيون، مؤكدة على مراقبة ظروف عمل النساء داخل الفضاءات التجارية والخدماتية، وإلزام أرباب العمل بتوفير شروط السلامة والحماية، إلى جانب تعزيز آليات التبليغ وتسهيل ولوج العاملات إلى الحماية القانونية والقضائية.

وختمت قائلة "فضاء العمل ينبغي أن يكون فضاء للكرامة والأمان، لا مجالاً للخوف أو التعرض للمخاطر"، داعية إلى تعزيز آليات الحماية والرقابة وضمان بيئات عمل أكثر أمناً وإنصافاً للنساء.