الشابات في قلب النضال... تحديات الحضور النسوي في المجال العام
يشكل حضور الشابات في العمل النسوي والحقوقي محوراً أساسياً لاستمرار النضال من أجل العدالة والمساواة، في ظل بنية اجتماعية وقانونية تقيد النساء وتحد من مشاركتهن الفاعلة داخل المجال العام.
أسماء فتحي
القاهرة ـ تطرح قضية تمكين الشابات داخل المجال الحقوقي والنسوي العديد من الأسئلة المرتبطة بقدرة المؤسسات والمجتمعات على إتاحة فرص عادلة للأجيال الجديدة، خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالنظرة التقليدية للنساء، وهيمنة البنى الذكورية داخل المجال العام، إلى جانب القوانين غير المنصفة التي ما تزال تؤثر بشكل مباشر على حياة النساء والفتيات في المنطقة العربية.
كما يرتبط هذا النقاش بواقع أكثر اتساعاً تعيشه النساء في عدد من الدول العربية، حيث تتقاطع أشكال العنف والتمييز القانوني والاجتماعي مع تأثير الحروب والنزاعات المسلحة، لتصبح النساء والفتيات في مقدمة الفئات الأكثر هشاشة واستهدافاً.
تتحدث الناشطة النسوية والحقوقية سعاد أبو دية عن مسيرة طويلة امتدت لعقود في العمل مع النساء والفتيات في فلسطين والأردن، حيث راكمت خبرة واسعة في متابعة قضاياهن القانونية والاجتماعية، وفي الدفاع عن حقوقهن داخل بيئات تتقاطع فيها التحديات السياسية والثقافية والقانونية. ومن خلال عملها الميداني ومشاركتها في مؤسسات تُعنى بالمساواة وتمكين النساء، طورت رؤية نقدية حول واقع الشابات، والعقبات التي تعترض مشاركتهن في الحياة العامة، وتأثير القوانين التمييزية والحروب والنزاعات على حياتهن اليومية.
وفي هذا الحوار، تستعرض وكالتنا مع سعاد أبو دية قراءتها لمشهد الحركة النسوية في المنطقة، ودور المؤسسات الحقوقية في بناء جيل جديد من القيادات النسائية القادرة على مواصلة النضال من أجل العدالة والمساواة، مستندةً إلى تجربتها الطويلة في الدفاع عن النساء والفتيات.
في ظل الحديث المتزايد عن أهمية وجود قيادات شابة داخل المجال العام، كيف ترين أهمية تمكين الشابات داخل العمل النسوي والحقوقي؟
إن التركيز على القيادات الشابة مهم جداً، وليس فقط على مستوى الفتيات، وإنما على مستوى الشباب بشكل عام، لأن أي تغيير حقيقي داخل المجتمعات لن يحدث إذا لم نبدأ بالعمل مع الأجيال الجديدة وننقل لها الخبرات والتجارب والمعرفة التي تراكمت عبر سنوات طويلة من النضال والعمل الحقوقي والنسوي.
عندما نعمل مع الشابات والشباب ونمنحهم المعلومات والخبرات المتعلقة بالمناصرة والدفاع عن حقوق النساء، فهذا يخلق جيلاً جديداً قادراً على استكمال المسيرة والمطالبة بقوانين أكثر عدالة وممارسات مجتمعية أقل تمييزاً.
أعتقد أن التغيير الذي نطمح إليه، سواء فيما يتعلق بالقوانين أو النظرة المجتمعية أو قضايا المساواة بين النساء والرجال، لن يتحقق بدون وجود شابات وشباب مؤمنين بهذه القضايا وقادرين على حملها والدفاع عنها مستقبلاً.
لذلك أرى أن العمل مع فئة الشابات تحديداً هو عمل بالغ الأهمية، ويجب أن يكون جزءاً أساسياً من عمل منظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات النسوية، لأن هذه المؤسسات يجب أن تفكر في المستقبل ومن سيكمل هذا الطريق لاحقاً.
مع تصاعد النقاش حول إقصاء بعض الفئات العمرية من النساء والشابات داخل المجال العام، كيف ترين واقع إدماج الشابات داخل المؤسسات النسوية والحقوقية؟
حسب تجربتي وخبرتي، أرى أن هناك إقصاء حدث بالفعل لفترات طويلة تجاه الشابات داخل العمل الحقوقي والنسوي، وربما بدأت بعض المؤسسات حالياً تدرك أهمية إدماج الفئات الشابة، لكن لفترة طويلة جداً كان المشهد يعتمد على نفس الأشخاص ونفس الوجوه الموجودة في المؤتمرات والفعاليات وحلقات النقاش.
وهذه بالنسبة لي إشكالية حقيقية لأن أي حركة حقوقية أو نسوية لا يمكن أن تستمر إذا بقيت مغلقة على نفس الدوائر ونفس الأشخاص، لذلك أعتقد أن هناك تنبهاً بدأ يحدث داخل بعض المؤسسات حول ضرورة إشراك الشابات والشباب في العمل الحقوقي والنسوي، وربما الخطوات ما تزال هشة أو محدودة، لكنها تظل خطوة إيجابية.
ويمكن القول أن مجرد وجودي اليوم في القاهرة وسط مجموعة من الشابات والشباب أعتبره مؤشراً مهماً على وجود وعي متزايد بأهمية مشاركة الأجيال الجديدة، لكن ما زلنا بحاجة إلى أكثر من مجرد تمثيل رمزي أو شكلي، لأن وجود الشابات كمتابعات أو كجزء من الصورة فقط لا يكفي، المطلوب هو منحهن مساحة حقيقية للتأثير والمشاركة وصناعة القرار، وأن يُنظر إليهن باعتبارهن شريكات فعليات في هذا العمل وليس مجرد حضور تكميلي.
كيف ترين أثر هذه البنية على النساء والشابات في ظل استمرار البنية الذكورية داخل المجتمعات العربية؟
نحن ما زلنا نعيش داخل مجتمعات ذكورية أبوية، الرجل فيها هو المسيطر على مستويات كثيرة، سواء داخل الأسرة أو في سوق العمل أو حتى في المجال العام، والنساء بشكل عام، والفتيات بشكل خاص، ما زلن مهمشات إلى حد كبير، إلى جانب وجود قوانين تمييزية تعاني منها النساء في عدد من الدول العربية، سواء قوانين الأحوال الشخصية أو قوانين العقوبات أو غيرها من التشريعات التي تحتاج إلى تعديلات جذرية حتى تصبح أكثر إنصافاً وعدالة.
هذه البيئة تؤثر على الشابات، لأن الشابة وهي تحاول الدخول إلى المجال العام أو العمل الحقوقي أو النسوي تجد نفسها في مواجهة نظرة مجتمعية تقلل من دورها أو قدرتها أو تعتبرها غير مؤهلة بعد للمشاركة والتأثير، لذلك أرى أن مواجهة هذه العقلية الذكورية لا تكون فقط عبر القوانين، وإنما أيضاً عبر العمل المجتمعي والتوعوي وتعزيز مشاركة النساء والفتيات في المجال العام.
وأعتقد كذلك أن العمل التطوعي مهم جداً في هذه المرحلة، لأننا في فترات سابقة خاصة في الثمانينيات، كان العمل التطوعي جزءاً أساسياً من الحركة النسوية والعمل العام، لكن مع الوقت أصبح التركيز أكبر على العمل المؤسسي المدفوع.
كل شخص يحتاج إلى مصدر دخل، لكن في الوقت نفسه نحن بحاجة إلى إعادة تعزيز فكرة الانخراط المجتمعي والعمل التطوعي لدى الشابات حتى يكتسبن الخبرة والوعي بالقضايا المجتمعية المختلفة.
مع تشابه كثير من القوانين والأزمات في المنطقة، كيف ترين واقع النساء في الدول العربية المختلفة خاصة في ظل الحروب والنزاعات المسلحة؟
النساء في المنطقة العربية يتقاسمن قدراً كبيراً من المعاناة المرتبطة بالعنف والتمييز، سواء كان هذا العنف قانونياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو حتى داخل سوق العمل، وعندما ننظر إلى قوانين العقوبات أو قوانين الأحوال الشخصية في عدد كبير من الدول العربية نجد أنها متشابهة جداً، وكأنها "نسخ متكررة" مع اختلافات بسيطة جداً من دولة لأخرى، وهذا يعكس أن العقلية الذكورية المهيمنة ما تزال حاضرة بقوة في معظم المجتمعات العربية.
النساء في مصر أو الأردن أو فلسطين أو سوريا يعانين من أشكال متقاربة من التمييز، سواء من خلال القوانين أو من خلال الممارسات اليومية والعنف المجتمعي أو العنف داخل سوق العمل.
لذلك أرى أن النساء في المنطقة العربية لديهن قضايا مشتركة كثيرة، وأن النضال النسوي في هذه الدول يرتبط ببعضه بشكل كبير، لأننا جميعاً نواجه نفس التحديات ونفس الحاجة إلى تعديل القوانين وتحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة.
في مناطق النزاعات المسلحة والحروب تكون النساء والأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة والأكثر تعرضاً للانتهاكات.
ففي فلسطين مثلاً قد تضطر النساء للولادة على الحواجز العسكرية، وهذا شكل قاسٍ جداً من أشكال الانتهاك، وفي السودان هناك نساء يعانين من الجوع والفقر والتشريد والنوم في العراء وعدم تلبية احتياجاتهن الأساسية.
لذلك فإن النساء في مناطق النزاع لا يواجهن فقط آثار الحرب أو الاحتلال أو النزوح، لكنهن أيضاً يواجهن في الوقت نفسه التمييز والعنف الموجودين أصلاً داخل المجتمعات. وهذا يجعل معاناتهن مضاعفة وأكثر تعقيداً.
رغم التحديات القائمة، كيف ترين تطور حضور النساء في مواقع القيادة وصنع القرار خلال السنوات الأخيرة؟
هناك بالفعل تطوراً حدث خلال السنوات الماضية، وأصبحت النساء موجودات في القضاء والبرلمان ومواقع صنع القرار وسوق العمل، كما أن النساء أصبحن أكثر قدرة على التعليم والعمل، وهذا تطور مهم لا يمكن إنكاره.
لكن في المقابل، هذا لا يعني أن أوضاع النساء أصبحت عادلة بالكامل، فما زلنا بحاجة إلى عمل أكبر بكثير لتحقيق الإدماج الحقيقي للنساء داخل المجال العام.
كما أن فكرة التمييز الإيجابي أو تخصيص عدد محدد من المقاعد للنساء قد تكون خطوة أولية مهمة، لكنها ليست الهدف النهائي. الهدف الحقيقي بالنسبة لي هو أن تصل المرأة إلى هذه المواقع اعتماداً على كفاءتها وقدرتها، وليس فقط لأن هناك نسبة أو حصة مخصصة للنساء.
ما زلنا بحاجة إلى إيمان حقيقي بقضية النساء داخل المجتمعات والمؤسسات، لأن أي تطور لن يكون مستداماً إذا لم يكن قائماً على اقتناع فعلي بحق النساء في المشاركة الكاملة والعادلة داخل المجال العام وصنع القرار.