العنف والأخلاق في سقوط الديكتاتوريين

من فرار الشاه إلى نجاة الأسد الدامية، يتبين أن كل دكتاتورية تحمل في طياتها لحظة انهيار محتملة، ما يطرح تساؤلات حول الخيارات الأخلاقية والاستراتيجية التي يواجهها المجتمع الإيراني في ظل نظام ينظر إلى القتل كوسيلة للبقاء.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ القراءة التاريخية لسقوط وبقاء الأنظمة الاستبدادية تستلزم الجمع بين الأخلاق العملية وتحليل ميزان القوى والبُنى الاجتماعية، أي الرمزية في المجتمع. ففي مسار انهيار أي دكتاتورية، تواجه المجتمعات ومنها إيران المعاصرة أسئلة تتجدّد مع كل فاجعة وتكتسب أبعاداً جديدة. هل اللاعنف واجبٌ أخلاقي دائم في كل أشكال المقاومة؟ هل استخلصت أنظمة مثل الجمهورية الإسلامية في إيران "درسا مركّباً" من تجربة فرار الشاه وبقاء الأسد الدموي؟ وهل كان "نافذة الاحتجاج" في إيران مغلقة بحيث توقّع المجتمع حدوث مجازر واسعة؟ 

هذه أسئلة أخلاقية وسياسية واستراتيجية في آن واحد. ويبقى السؤال الأعمق: هل استطاع المعارضون والمثقفون، أو المجتمع نفسه، أن يواجه هذه الأسئلة ويتأمل في وجوه النضال المختلفة؟ أم أن المجتمع توصّل إلى إدراكٍ جماعي حول حقيقة الطريق الذي يسلكه؟ 


هل ينبغي للإنسان أن يظل دوماً متمسكاً باللاعنف؟ 

من منظور الفلسفة الأخلاقية تتقاطع ثلاثة أصوات كبرى: صوت الواجب الذي يضع حماية الأبرياء في المقدمة، وصوت النتائج الذي يقيس الأفعال بميزان قدرتها على تقليل الألم وتوسيع الحرية، وصوت القانون والسياسة الذي يفرّق بين شرعية الوسيلة وشرعية الغاية. 

وعلى أرض الواقع، حين خرجت الحركات المدنية إلى الشوارع، لم يكن اللاعنف مجرد تضحية أخلاقية أو نزعة مثالية، بل كان سلاحاً من نوع آخر. جين شارب، المفكر الذي درس أدوات المقاومة المدنية، كشف أن اللاعنف يمكن أن يكون خطة مدروسة، تقنية استراتيجية تمنح الحركات قوة مضاعفة وشرعية أمام العالم. فالتخطيط، وكسر ركائز السلطة، وتجفيف منابع القوة، كلها ممكنة من دون أن تُرفع بندقية أو يُطلق رصاص. 

هكذا يصبح اللاعنف ليس فقط خياراً أخلاقياً، بل حكاية عن ذكاء الشعوب حين تواجه أنظمة قمعية، وعن قدرة الإنسان على تحويل ضعفه الظاهري إلى قوة تُربك خصومه وتفتح أبواب التغيير.

في كتب الفلسفة القديمة، كانت هناك قواعد تسمى "الجهاد العادل" أو "الحرب العادلة"، هذه القواعد لم تمنح العنف شرعية مطلقة، بل وضعت له شروطاً صارمة؛ أن يكون آخر الحلول، أن يراعي التناسب، وأن يفرق بين المقاتلين والمدنيين. مایکل والزر، ومعه مفكرون آخرون، شددوا على أن حتى في الدفاع المشروع، تبقى حماية المدنيين خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه. قالوا إن العنف لا يصبح مشروعاً إلا إذا تحققت ثلاثة شروط معاً ألا وهي "الضرورة المطلقة، التوازن بين الفائدة والتكلفة، واحتمال النجاح الواقعي". 

لكن حين ننظر إلى إيران اليوم، يتبدّل السؤال، فالسلطة هناك تسفك دماء المتظاهرين العزل عمداً وبنحو منظّم. عندها لا يعود السؤال الأخلاقي "هل يجوز؟" بل يتحول إلى "كيف؟" و"إلى أي مدى؟"، الدفاع الجماعي قد يبدو أخلاقياً في بعض اللحظات، لكن إذا كان أي شكل من المقاومة المسلحة سيؤدي إلى ضحايا أكثر، أو انهيار اجتماعي، أو حتى تطهير جماعي، فإن المنطق النتائجي لا يستطيع أن يبرّره. لهذا يصبح الحدّ العملي مرهوناً بثلاثة مؤشرات متوازية: هل هناك احتمال حقيقي لتغيير النظام أو حماية المجتمع؟ ما حجم الكلفة الإنسانية المتوقعة؟ وما الأثر السياسي: هل سيمنح الحركة شرعية أم يسلبها؟ 

الأخلاق المسؤولة لا تُجيز العنف إلا إذا كان يزيد بوضوح من فرص إنقاذ المدنيين، لا إذا كان يضاعف مأساتهم، وفي النهاية الاستراتيجية الأجدر هي تلك التي تجمع بين حفظ أرواح الناس وبين تقويض شرعية الدكتاتور، لتصنع طريقاً نحو الحرية بأقل ثمن ممكن.


         


        
هرب الشاه وبقي الأسد فهل صنعت الجمهورية الإسلامية مزيجاً من الدرسين؟

حين هرب الشاه عام 1979، كان ذلك نتيجة فقدان ركائز أساسية على رأسها انقطاع الدعم الدولي، التفكك داخل الطبقات الوسطى، وانهيار الخيوط الاجتماعية التي كانت تربط النظام بالمجتمع. التاريخ يروي أن سقوطه لم يكن فقط بسبب غضب الشارع، بل أيضاً بسبب انسحاب النخب من حوله، وانهيار التحالفات التي كانت تمنحه الشرعية. 

أما بشار الأسد الذي حكم سوريا، فقد واجه عقداً من الانتفاضات والقمع، لكنه بقي. بقي لأنه اعتمد على بنية مختلفة: شبكة أمنية وحزبية متماسكة، تقسيم اجتماعي مدروس، وتحالفات إقليمية ودولية أعادت له القدرة على الصمود. هنا يظهر نموذج آخر للبقاء، حيث لا يكفي غضب الشارع وحده لإسقاط النظام إذا كانت أدوات القمع والولاءات موزعة بذكاء. 

والسؤال اليوم؛ هل الجمهورية الإسلامية استوعبت كلا النموذجين؟ هل تعلمت من فرار الشاه أن تفكك النخب خطر قاتل، ومن بقاء الأسد أن الشبكة الأمنية والولاءات الاجتماعية يمكن أن تُطيل عمر النظام؟ 

بهذا المعنى، يبدو أن النظام الإيراني يحاول أن يمزج بين الدرسين، أن يحافظ على شبكة قمعية متماسكة، وفي الوقت نفسه أن يتجنب عزلة النخب وانقطاع الحبال الاجتماعية التي أسقطت الشاه. إنها محاولة لصياغة "تركيبة بقاء" تجمع بين خبرة سقوط سريع وخبرة صمود طويل.

من جهة أخرى، أظهرت التجربة السورية أن نظاماً خبيثاً متحالفاً مع جهات خارجية يمكنه التسامح مع عدم المساواة والقتل الجماعي، لكن في الوقت نفسه، يكون ثمن البقاء باهظاً للغاية؛ مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، وتشير تقديرات مختلفة إلى نصف مليون أو أكثر. وتشير التقارير إلى أن إجمالي ضحايا الحرب السورية يتراوح بين بضع مئات الآلاف وأكثر من نصف مليون، كما تتحمل جهات حكومية وحلفاؤها مسؤولية عمليات القتل الجماعي، ويمكن أن يكون هذا الواقع التحليلي بمثابة "درس مركب" للأنظمة الأخرى؛ فالبقاء مع القتل الجماعي ممكن، لكنه يدمر المجتمع والمنطقة والنظام الدولي ويقضي على إمكانية إعادة بناء الشرعية على المدى البعيد.

السؤال المحوري هو ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية قد استوعبت حقاً درسي "رحيل الشاه" و"بقاء الأسد". من منظور استراتيجي، سعى النظام الإيراني إلى ترسيخ ثلاثة أركان للبقاء في آنٍ واحد؛ السيطرة الدائمة على الأجهزة الأمنية، والشبكات الطائفية والعرقية، والاستثمارات الإقليمية عبر الوكلاء التي سترفع تكلفة أي تدخل ضده. قد يبعث هذا المزيج برسالة خطيرة إلى المجتمع المحلي مفادها "بإمكاننا إراقة الدماء كما نشاء"، لكن هذه الرسالة لها ثمن باهظ، فالبقاء يأتي على حساب انعدام الشرعية، والعزلة الدولية، وتآكل الأسس الاجتماعية، وتشير التقارير الأخيرة عن عدد ضحايا الاحتجاجات الإيرانية مع اختلاف الأرقام التي تقدمها المؤسسات المختلفة إلى تزايد تقديرات الخسائر البشرية الناجمة عن القمع، مما يغير المشهد الاستراتيجي.


مصير الحركات الاجتماعية في إيران خلال ثلاثة عقود

في ثلاثة عقود من عمر إيران، لم تكن الحركات الاجتماعية خطاً مستقيماً، بل موجات متعاقبة. من احتجاجات إسلام ‌شهر المحلية، إلى صرخات الطلبة في ١٩٩٩، إلى زلزال ٢٠٠٩، ثم انفجارات الغضب الاقتصادي في ٢٠١٧ و٢٠١٩، وصولاً إلى انتفاضة Jin Jiyan Azadî عام ٢٠٢٢. كل موجة حملت معها تراكماً من المطالب، وكل جولة أضافت خبرة جماعية جديدة. النظام بدوره تعلّم كيف يحكم القبضة الأمنية، كيف يفكك التحالفات، وكيف يستهدف القادة. لكن المجتمع أيضاً تعلّم من الشبكات الرقمية إلى تكتيكات الاحتجاج اللامركزي. 

هنا يطرح السؤال نفسه، هل أُغلقت نافذة التغيير من الأسفل؟ ليس بالضرورة. فالمجتمع قد يتوقع مسبقاً كلفة دموية، وقد يستعد لتحملها، لكن هذا التوقع لا يعني أن النتيجة محسومة. النافذة تفتح أو تغلق وفق ثلاثة عوامل: كلفة القمع على الدولة، قدرة المعترضين على التنظيم والتضامن، وضغط أو تفاعل القوى الدولية. حين ترتفع كلفة القمع أو يتراجع الدعم الخارجي للنظام، قد تنفتح النافذة من جديد. 

شهادات الميدان عن أحداث كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥ وما تلاها، مع أعداد الضحايا المتزايدة، تكشف أن المجتمع كان واعياً لثقل الثمن، لكنه أيضاً كان يراكم غضباً يقترب من الانفجار، ومن منظور استراتيجي، الدرس العملي واضح: تنويع الأدوات، من الاعتصام المدني إلى العصيان الاقتصادي، ومن الدفاع الحقوقي إلى أشكال محدودة من الدفاع المشروع، مع الحرص على حماية المدنيين وبناء تحالفات واسعة، يزيد فرص النجاح. 

أما من زاوية الأخلاق السياسية، فالمعيار ليس اللاعنف أو الامتناع عن استخدام العنف مطلقاً، بل حماية المدنيين، فعالية الفعل، وحفظ الشرعية. التاريخ يذكّرنا بمسارين متناقضين، فرار سريع للنخب كما حدث مع الشاه، أو بقاء مكلف عبر القمع البنيوي كما فعل الأسد. والجمهورية الإسلامية تبدو وكأنها تمزج بين الاثنين، لكنها لا تفتح طريقاً مشروعاً أو مستداماً؛ بل تؤجل النهاية وتضاعف الكلفة الإنسانية. 

في النهاية، نافذة التغيير ليست مغلقة أو مفتوحة بشكل نهائي، بل هي ساحة متحركة، حيث الذكاء المدني، الشرعية الأخلاقية، وحسن اختيار الأدوات هي التي ترسم مصير الحركات الاجتماعية.