المرأة في قلب السياسات العمومية... قراءة نسوية في الواقع التونسي

السياسات العمومية في تونس تجاه النساء ما تزال غير مندمجة وضعيفة في تطبيق مقاربة النوع الاجتماعي، ما ينعكس في استمرار التفاوت في العمل والتمثيل السياسي وصعوبات اجتماعية واقتصادية متعددة.

إخلاص الحمروني

تونس ـ تواجه النساء في تونس جملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تكشف، وفق متابعين وباحثين، محدودية السياسات العمومية في الاستجابة لقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية. وبين نسب البطالة المرتفعة، وهشاشة العمل وضعف التمثيلية السياسية، تتواصل الدعوات إلى ضرورة اعتماد مقاربة أكثر شمولاً تراعي احتياجات النساء واختلاف أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية.

في هذا الإطار، تقدم الباحثة الأكاديمية والصحفية الاقتصادية سمية معمري قراءة نقدية للسياسات العمومية في تونس، معتبرة أن غياب مقاربة النوع الاجتماعي يفسر جزءاً مهماً من استمرار التفاوتات بين النساء والرجال، ومن عجز الحكومة عن تحويل مبادئ المساواة إلى سياسات فعلية ملموسة.

وتؤكد أن هناك شبه إجماع في تونس على وجود خلل عميق في السياسات العمومية بشكل عام، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو حتى التقييم، مضيفة "هذا الخلل لا ينعكس فقط على الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، بل يمتد أيضاً إلى القضايا الخصوصية، وفي مقدمتها قضايا النساء، باعتبار أن الفئات التي تعاني من التمييز أو من أوضاع اجتماعية خاصة تحتاج إلى سياسات تستجيب لخصوصياتها".

وتشدد على أن تبني مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية يتطلب إرادة سياسية حقيقية، لأن المسألة "حقوقية بالدرجة الأولى"، وتتعلق بمكافحة التمييز وعدم تكافؤ الفرص والعنف ضد النساء. غير أنها تعتبر أن هذه الإرادة غير متوفرة اليوم، وهو ما يفسر، وفق تقديرها، غياب سياسات عمومية واضحة ومخطط لها تتبنى قضايا النساء بشكل فعلي.

وتوضح أن "تونس تشهد، على العكس من ذلك، تراجعاً عن بعض المكاسب التي حققتها المرأة بعد الثورة، خاصة على المستوى السياسي، حيث تم التخلي عن مبدأ التناصف، وتراجعت تمثيلية النساء في الهيئات المنتخبة، إلى جانب وجود ما تصفه بـ "العنف السياسي" الممارس ضد النساء، سواء بسبب آرائهن أو نشاطهن السياسي والتنظيمي".
 

غياب سياسة تنموية مندمجة

ترى سمية المعمري أنه لا يمكن الحديث اليوم عن سياسات عمومية تعتمد مقاربة النوع الاجتماعي بشكل مدروس وممنهج، لأن هذه المقاربة لا تقوم على إجراءات معزولة أو قرارات ظرفية، بل على منهجية متكاملة تبدأ برصد واقع النساء واحتياجاتهن في مختلف الفئات والأوساط، ثم التخطيط والتنفيذ والتقييم بهدف تصحيح السياسات بشكل مستمر.

وفي هذا الإطار، تقول "تفتقد تونس إلى سياسة تنموية مندمجة تستجيب لمشاغل النساء في الجهات والفئات المختلفة، معتبرة أن هذه المقاربة تقوم أساساً على فهم الاحتياجات المتنوعة للفئات الاجتماعية والاستجابة لها عبر سياسات شاملة ومترابطة".

وتعتبر أن المجال الاقتصادي هو أكثر المجالات التي تظهر فيها أشكال التمييز ضد النساء، إذ إن أغلب مؤشرات التدهور ترتبط بالوضع الاقتصادي، مشيرة إلى أن البطالة في تونس بطالة هيكلية، غير أن النساء هن الفئة الأكثر تضرراً منها، إذ تبلغ نسب البطالة لدى النساء ضعف نسبتها لدى الرجال تقريباً.

وتقول "تصبح الفجوة أوسع لدى أصحاب الشهادات العليا، حيث ترتفع بطالة النساء بشكل لافت مقارنة بالرجال، وهو ما يعكس حجم الفجوة الاقتصادية وصعوبة نفاذ النساء إلى سوق العمل رغم ارتفاع مستويات التأهيل العلمي لديهن".

وتعتبر أن هذه المؤشرات تكشف أيضاً أن "العمل الهش في تونس أصبح عملاً مؤنثاً"، إذ تتركز النساء في القطاعات الأقل استقراراً والأضعف أجراً، بينما تتسع الفجوة بين النساء والرجال كلما تعلق الأمر بالوظائف التي تتطلب كفاءات وتأهيلاً عالياً.

وتشير إلى أن المرأة التونسية تواجه صعوبة متزايدة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي، خاصة في القطاع الخاص، حيث الأجور الضعيفة وارتفاع تكاليف الحياة "تجد بعض النساء أنفسهن مضطرات إلى الاختيار بين العمل ورعاية الأطفال، بسبب ارتفاع كلفة المحاضن ورياض الأطفال مقارنة بالأجر، ما يدفع كثيرات إلى البقاء في المنزل بدل الالتحاق بسوق العمل".

ولا يتوقف الإشكال عند ارتفاع الكلفة فقط، بل يمتد أيضاً إلى نقص المحاضن ورياض الأطفال، خاصة في المناطق الصناعية الكبرى، في حين يفترض أن تتوفر هذه الخدمات بالقرب من مواقع العمل، وأن تساهم المؤسسات الخاصة في توفيرها كما هو معمول به في عدد من التجارب الدولية.
 

قراءة جندرية

توضح سمية المعمري أن اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية، بما في ذلك السياسات المالية، ما يزال غير مُفعّل بالشكل المطلوب، معتبرة أن قوانين المالية وخصت بالذكر عامي 2026 و2025 لم تُحدث تحولاً جوهرياً في اتجاه إدماج قضايا النساء ضمن السياسات العمومية، إذ لم يتم اعتماد مقاربة منهجية واضحة تقوم على إدماج النوع الاجتماعي داخل التخطيط المالي.

وتضيف "ما يُلاحظ هو استمرار التعامل مع قضايا النساء عبر إجراءات جزئية أو قطاعية، دون إدراجها ضمن رؤية شاملة ومندمجة، رغم أن السياسات المالية كان من المفترض أن تشكل أداة أساسية لتكريس المساواة بين الجنسين داخل السياسات العمومية".

وتشير إلى أن غياب أي تدابير داعمة للنساء في قانون مالية 2026 يؤكد أن قضاياهن ليست أولوية، وأن مقاربة النوع الاجتماعي غائبة عن التخطيط والرصد والتنفيذ والتقييم. هذا الغياب يمنع مراعاة الفروقات بين النساء في الريف والمدينة، وبين القطاعات المختلفة، وفي احتياجاتهن المتعلقة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
 

مجلس أعلى للمساواة

ومن أجل إيلاء النساء أهمية أكبر في السياسات العمومية مستقبلاً، تدعو سمية معمري إلى إحداث مجلس أعلى للمساواة يتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، تكون مهمته متابعة السياسات العمومية وتقييمها من زاوية المساواة بين الجنسين، معتبرة أن وجود مؤسسة من هذا النوع من شأنه أن يمنح قضايا النساء مكانة مركزية داخل الحكومة بدل بقائها مشتتة بين القطاعات.

وفي الختام، أكدت على أن تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية يقتضي أيضاً إعادة فتح النقاش حول المساواة في الإرث، باعتبارها خطوة أساسية نحو تحقيق الإنصاف الاقتصادي للمرأة التونسية.